تشرين الثاني 14, 2018

أعمل منذ أشهر، وبتكليف من مركز الدراسات الاستراتجية في الجامعة الأردنية، على بحث حول الملك المرحوم الحسين، الذي يصادف هذا اليوم 14 تشرين ثاني 2018 الذكرى الثالثة والثمانين لميلاده. ويأتي البحث كجزء من نشاط كرسي الملك الحسين للدراسات الأردنية والدولية الذي أنشئ في العام الماضي 2017.
لقد حُددت مهمة هذا البحث في مجال التاريخ الشفوي المتعلق بالملك الحسين، حيث أن التاريخ الشفوي، هو أحد المحاور الرئيسية التي حددها "الكرسي" ضمن قائمة متنوعة وطموحة من المحاور والعناوين التي تشمل مختلف جوانب سيرة وتاريخ الملك الحسين، وبالضرورة سيرة وتاريخ وطننا الأردن، خلال حوالي نصف قرن، صادف أنه نصف القرن العشرين، وهو الزمن الذي شهد تبدلات جوهرية وأحداث دراماتيكية في مسيرة العالم ومن ضمنه عالمنا العربي ومنطقتنا وبلدنا. لقد اندمج في هذه الفترة تاريخ الملك مع تاريخ الشعب والبلد بصورة استثنائية.
وعلى سبيل المزيد من التحديد لمهمة البحث، فقد تقرر أن يقتصر على الشأن الوطني أي المحلي الأردني، ذلك أن رصد ودراسة التاريخ الشفوي العام لشخصية مثل الملك الحسين، تَميّز بحضور واسع على المستوى الإقليمي والدولي، سيجعل المهمة متشعبة جداً.
على ذلك، فإن المستهدف كمصادر للمعلومات هم الشخصيات التي كانت لها تجارب مباشرة مع الملك المرحوم، غير أن مركز الدراسات الاستراتيجية وضمن نشاطات "الكرسي" منذ تأسيسه، كان قد بادر إلى تنظيم لقاءات مع عدد ممن عملوا مع الملك في مستويات إدارة الدولة العليا، وسينظم المزيد منها في المستقبل. إن هذه الشهادات في صيغتها الحالية تعد جزءا من التاريخ الشفوي، غير أن البحث الحالي استهدف أيضاً، الوصول إلى مصادر تنتمي إلى فئات أخرى من خارج دائرة الإدارة العليا، وهي تشمل موظفين مدنيين وعسكريين ومواطنين كانت لهم مثل تلك التجارب الشخصية مع الحسين. 
من المؤسف أن كثيرين ممن مروا بمثل تلك التجارب قد فارقونا، وبعضهم في وضع لا يسمح له بالإدلاء بشهادته، غير أنه تتوفر بالإضافة إلى الأحياء، شهادات منشورة وفي تسجيلات مصورة وفي كتب محلية وأجنبية كثيرة وفرت مادة تدخل في نطاق البحث الحالي.
هذه السطور، ستقدم صورة مختصرة عن مجريات البحث وبعض الانطباعات التي تشكلت إلى الآن، ولكن من دون الدخول في التفاصيل التي ستجد مكانها في البحث النهائي الذي يفترض أن يصدر مكتوبا.
كانطباع شخصي، يمكنني اختصار المرحلة السابقة من البحث بالقول إنها بالنسبة لي تُعد تجربة في "متعة البحث".
لقد لاحظت منذ البداية أن ما هو "شفوي" في الإدارة السياسية عند الملك المرحوم، وعند رجال السياسة الأردنيين الذين قادوا بلدنا طيلة ذلك الزمن، كان جزءا مكملاً رئيسيا لما هو "مُوثّق". إن البحث بصدد كشف جوانب من التاريخ "غير الرسمي" لبلدنا، الذي كان مكملاً ومتكاملاً مع التاريخ الرسمي.
قد يبدو لقارئ متسرع أن في هذا الكلام إعلاءً أو تقديراً أو تفضيلاً للعمل غير المؤسسي أي الجاري خارج المؤسسات، باعتبار ان ما هو غير رسمي ينطوي عادة على تجاوز للمؤسسية، وهو ما يتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يؤكد على فكرة دولة المؤسسات والقوانين ومرجعها الرئيسي، أي الدستور الأردني، الذي يعد من أول الدساتير في دول المنطقة وأكثرها حداثة. لكن الأمور في الواقع الأردني لم تكن بهذه البساطة، ما دمنا نتعامل مع تاريخ يتصل بمجتمع وبشعب، أي بمجموعة بشرية في ظروف محددة وفي سياقات تاريخية واجتماعية وثقافية ملموسة ومشروطة بسياق أشمل يضم هذا الجزء من العالم الذي نتواجد فيه.
إن الشفوي أو غير الرسمي عند الملك المرحوم كان معادلاً أو مماثلاً أو لما هو "إنساني"، مع التأكيد على أن مفهوم إنساني هنا لا يقتصر على ما شخصي أو عاطفي مثلاً. إذ من الواضح أن الملك ورجال إدارته، وخاصة في العقدين الأولين من حكمه، الخمسينات والستينات من القرن الماضي، قرروا أن يمارسوا مهامهم بصيغة تتصالح وتتوحد وتلتقي وتحترم تركيبة المجتمع وثقافتة، وهو مجتمع شهد العديد من التغيرات والأحداث عميقة التأثير، إذ لم تتوقف (منذ تأسيس الدولة وإلى الآن) عملية التنويع في مكوناته الثقافية والاجتماعية والسياسية.
يمكن للناظر أو للباحث اليوم أن يقدَر أن الملك اختار أن يصنع صيغته الخاصة من ممارسة الحكم، وتسمح مجريات البحث منذ الآن بالقول إن هذا شكّل أسلوب الملك في فهم الحكم، الذي بمقابله، وبالتفاعل معه، تشكّل أسلوب الشعب في فهم الملك كحاكم، وهو ما ظل يلقي بظلاله على علاقة الشعب بالدولة وبالمؤسسات. 
لقد ظل الملك يتذكر تلك الجولة التعريفية الطويلة نسبياً التي نُظمت له على شكل زيارات إلى شتى المواقع في البادية والأرياف بعد اختياره ملكا ولكن قبل أن يتولى سلطاته الدستوية، لقد انتبه إلى أن شعبه يناديه "يا حسين"، وبعضهم كان يذكر أمامه عبارة "دبكنا بعرس أبيك"، وهي عبارة تقال في الأردن للتذكير بتاريخ العلاقة الشخصية وحميميتها، وقد عرفت مؤخرا في إحدى القرى النائية أن عسكريا متقاعداً ومن رتبة عادية عاتب الملك بقوله: "لقد نسيتنا"، ليتضح له مباشرة وبشهادة الحضور ان الملك كان قد سأل عنه قبل حضوره إلى الجلسة. وهناك المئات من الحكايا المماثلة التي قد تجد طريقها للنشر في ختام البحث.
صحيح أن مدة حكم الملك الحسين طويلة نسبياً، لكن الباحث مع ذلك، يحار أمام طيف العلاقات الواسع للملك حسين محلياً، وامام ما يروى عن الذاكرة الحية التي تمتع بها الملك تجاه أشخاص وأماكن وأحداث تفصيلية. يتذكر كثيرون لحظات لقائهم الأول مع الملك وكيف انتبه إلى ارتباكهم "المفهوم بالطبع"، وكيف عمل فوراً على حلحلة ذلك الارتباك وخاصة عند المقابلات المفاجئة، ويحمل كثيرون ذكرياتهم عن متابعته لقصص تعد فرعية بالنسبة لمهمات ملك.
في منطقتنا وفي العالم كله اليوم كلام كثير حول قيمة "التسامح" وذلك بعد ان أصبحت عنواناً كبيرا عند الحديث عن الصراعات وإدارة الصراعات الداخلية والخارجية أحياناً، وخاصة عند البحث عن عناصر توحيد المجتمعات واستمرارها. ولكن أمر التسامح عندما يُذكر في الأردن، فإنه يذكر كممارسة فعلية وكتجربة واقعية مورست في الأردن بقيادة الملك الذي كان رمزاً كبيراً فيها.
اطلعت خلال البحث على بعض السير التي كتبها معارضون، واستمعت إلى تسجيلات مصورة لخصوم سياسيين وللملك وللحكم وللدولة الأردنية أحياناً، ولكنهم يتوقفون أمام مسألة التسامح مع الخصوم التي مارسها الملك بصورة فاجأتهم، ولكنه مارسها ببساطة، ومن دون ان يطلب لها ثمنا مقابلاً. لقد ذهل بعضهم من حرص الملك على كرامة الخصم حتى في لحظة العفو الذي حصل في بعض الحالات في لقاءات مباشرة، ووقعه الملك أمام المشمولين به. وقد تجد بعض هذه القصص طريقها إلى التوثيق في البحث النهائي، ولم تُذكر ولو حالة واحدة مارس فيها الملك أي شكل من الاستهانة او الشماتة بخصومه، بل هناك قصص عن عنايته اللاحقة بهم وبأسرهم، لقد حرص في حالات كثيرة على التقائهم برفقة أسرهم، وفي جميع الحالات التي شكملها البحث لغاية الآن، لم تحصل حالة تأنيب او عتاب وفي بعض الحالات لم يحصل تذكير بما حصل. 

الميزة الأخرى للملك، هي القدرة على الاستنهاض وبث الأمل والتحفيز، فقد مر الأردن بمراحل قاسية شكلت عند كثيرين دافعاً على فقدان الأمل، لكن الملك، كان في كل مرة يقود عملية استنهاض وطني شامل، وفي بعض الحالات كان يبدأ ذلك برسالة مبثوثة بصوته، وفي حالات أخرى كان يقوم بجولات واسعة وسريعة تشمل المدن الرئيسية يلقي فيها خطابات قصيرة تتعامل مع عناصر التحفيز التي تتطلبها ثقافة المجتمع المحلي المستهدف، فنمط التحفيز في البادية يختلف عن الريف وعن المخيم وعن المدينة، بل كانت العملية تختلف بين مدن الضفتين (قبل الاحتلال) وذلك تبعاً لتنوع تقاليد اللقاءات الشعبية.
في ميدان التحفيز والاستنهاض الوطني هذا، توجد الكثير من الحالات والقصص المميزة التي تركت أثراً. وفي الواقع يشهد كثيرون ان الملك كان يكره التأفف أو اليأس وعبارات الإحباط والشكوى، وحتى في بعض المشاريع التي كانت طموحة جدا وتحتاج للمال غير المتوفر، كثيرا ما كان الملك يردد كلمة "بتتدبر" او "على خير" أو "دعونا نبدأ"، وكانت بعض المشاريع تأخذ زمناً لكنها تكتمل في النهاية وتصبح منجزاً كبيراً.
أما الجامعة الأردنية التي تحتضن كرسي الملك الحسين للدراسات الأردنية والدولية، فقد شهدت جوانب كثيرة من محطات السيرة الشفوية للملك المرحوم، فقد كانت الجامعة حلماً عند الملك وعند الفريق السياسي الذي قاد تلك المرحلة، لكن الجامعة بعد أن أصبحت منجزاً قائما، تحولت عند الملك إلى قصة ذات خصوصية، ووفق ما رواه أحد أبرز مؤسسيها الراحل ناصر الدين الأسد، فقد كان الملك يكثر من زيارة الجامعة وبلا مواعيد وبشكل بسيط يدخلها بسيارته التي قودها بنفسه، ويصل إلى مكتب الرئيس، ويطيل المكث في الجامعة، يجوس خلالها ويسير في طرقاتها بين أشجارها الباسقة، يجيل عينيه فيما حوله، مستمتعا مرتاحاً، او يزور بيت الطلاب والطالبات... قيباسطهم ويداعبهم ويسألهم عن احوالهم وما يحتاجون إليه وهم متحلقون حوله، ناسين واجبات الضيافة من شدة إقبالهم عليه، فينبههم بقوله: "أين الشاي؟"، فيسارعون إلى إعداده فيشربه معهم. (من نص كتبه المرحوم الأسد ونشر في كتاب "ذكريات مع الحسين").
غير أن رئيساً آخر للجامعة ومن جيل المؤسسين، هو محمود السمرة، الذي رحل منذ أيام، يكتب في مذكراته، أن الملك ذات يوم وهو في زيارة للمدينة الطبية، رأى على مكتب مديرها ورقة باسمه، فسأل عن الأمر فأبلغوه بمرض الرئيس، فأمر الملك بالعناية به، ولكن السمرة يكتب مندهشا عن ان الملك في لقاء عابر آخر، سأله عن صحته وعن نتائج فحوصاته الطبية بطريقة توحي باهتمام شخصي.
في كل اللقاءات التي اجريتها في سياق العمل الحالي، وبمجرد أن أسأل عن الجانب غير الرسمي او الإنساني، وأياً كان الشخص الذي أقابله، وبعضهم من اوساط الخصوم السياسيين، بل ممن مروا معه بعلاقة متوترة أحياناً، غير انهم جميعاً كانوا وبلا تردد يتووقفون باحترام أمام لحظات عايشوا فيها جوانب من مواقفه الإنسانية.
هي قصص وحكايا متبادلة بين الملك وشعبه، تبدو مبعثرة هنا وهناك، وبعضها لم يشعر أحدبها ولم تنشر ولم يشر إليها في حينها وبقيت قصصاً تخص أصحابها، ولكن لأنها كذلك، أي لأنها بالإجمال لم تكن ضمن خطة ما (إذا استثنينا اللقاءات المعدة والمنظمة)، فإنها تشكل معاً ملمحاً أساسيا من ملامح خصوصية الاجتماع السياسي الأردني، لأنها تضيء على الحكم وعلى الشعب، وهي قد تشكل سراً من أسرار البقاء والاستمرار لهذا الوطن العزيز.
  
الباحث والكاتب الأردني : أحمد ابو خليل