تشرين الثاني 14, 2018


* محمد يونس العبادي

ما زال التاريخ في ذاكرتنا العربية، وبالرغم من عصر الرقمنة، يحتل مكانةً يتطلع العقل العربي إلى القراءة فيها، وبقيت سير الرجال في مجتمعاتنا المشرقية تلقي بظلالها على عقل العامة والنشء.

وفي تاريخنا الحديث والمعاصر، هناك سيرٌ لرجالٍ ما زالت بحاجةٍ إلى الدرس والتوثيق واستنباط الحكمة وأوجه السياسة، والدور الذي أدته، ومن بين أبرز هذه السير،سيرة الملك الحسين بن طلال (طيب الله ثراه).

فعهد الحسين الذي امتد على مدار (47) عاماً، حمل كثيراً من الأحداث، إذ تولى المُلك شاباً في زمانٍ كانت الدول الوطنية في المشرق العربي تتشكل وتنتقل من جيل الأوائل من معاصري تبدل الحال من "العثمانية" إلى "القطرية".

والملك الحسين بن طلال (طيب الله ثراه) سليل عائلةٍ لعبت دوراً في أحداث المشرق العربي، وحملت هموم شعوبه العربية، بالإضافة إلى شرعية الهاشميين الدينية والتاريخية، بما أسهم في تشكل شخصية ملكٍ عربيٍ آمن بمبادئ الحقوق العربية وصون الأردن بأسلوب سياسيٍ، يصح أن نسميه أسلوب الحسين. 

والأردن، في عهد الحسين مر بمتغيراتٍ سياسيةٍ أسهمت بصياغة نظريته السياسية في الحُكم سواء في الداخل أو تجاه الخارج. 

إذ تولى الملك الحسين الحُكم شاباً يافعاً نجح في قلب معادلة الوجود البريطاني، والتخلص من آخر تركةٍ تنتمي لعصرٍ سابقٍ هي عصر الإنتداب، بقرار تعريب الجيش العربي الذي دفع بالحسين إلى واجهة المشهد في المشرق العربي – آنذاك- كزعيمٍ قويٍ قادرٍ على صياغة دورٍ لوطنه. 

كما أن الملك حسين، تولى الحُكم في زمانٍ كانت فيه حدود المملكة الأردنية الهاشمية تمتدُ إلى الضفة الغربيةِ، وأحيط الأردن بأنظمة سياسيةٍ إنقلابيةٍ قومية الوجه والخطاب عسكرية عميقة في سطوتها. 

هذه الظروف السياسية، التي جاءت وسط مناخ عالميٍ يشهد استقطاباً كبيراً بين الرأسمالية والشيوعية، بما حتم على الأردن أن يصوغ طريقته ومدرسته السياسية، خاصة وأن الجغرافيا الأردنية ليست بسهلةٍ وسط دولٍ عربيةٍ بنت تحالفاتها دون تنسيقٍ بينها، والأردن دولةٌ شحيحة الموارد، أراد جيرانه منه أن ينقاد بحكم جغرافيته. 

بينما الأردن في عهد الحسين، كان له رأيُه المغاير إدراكاً منه أن لا مغامرات على حساب وجوده وكيانه الوطني خاصة مع الكيان الصهيوني، وأن الأردن دولةٌ لها سيادتها ورؤاها التي وجب احترامها. 

ويعبر عن هذا المشهد، الذي ما زال مليئاً الأحداث التاريخية، مثلاً، علاقة الملك حسين بعبد الناصر، والأخير رأى بنفسه الزعيم القادر على صياغة مستقبل المنطقة والأقرب إلى التعبير عن الوجدان العربي.

لذا بقيت علاقة عمان بالقاهرة وحتى النكسة لعام (1967م) تشهد شكلاً ما زالت دروسة لليوم تلقي بظلالها على المنطقة والتي أدت إلى ضياع الضفة الغربية التي كانت جزءاً من الأردن حتى ذلك الوقت. 

فالملك حسين أدرك زعيمٌ يمتلك إرثاً وشرعيةً وكاريزما لا يمكن أن تختزل بمرحلةٍ "ناصرية" أو سواها، لذا نراه ساير المد الشعبي الصاعد مستمسكاً بمشروعه الشرعي الذي يرفده إرث الثورة العربية الكبرى، وبالحفاظ على الأردن من تبعاتِ هذا المد، إلى أن أدرك من خالفوه الرأي صواب رؤاه بطريقة وأسلوب حل قضايا المنطقة بالرغم من الكلفة العالية عليهم، ولحاجتهم دوما الوقت لفهمه . 

وأيضاً، كانت جدلية العلاقة بين الأردن وفلسطين تفرض بنفسها على الأردن، ورتبت نتيجة طبيعية لحرب عام 1967م، إذ شهد الأردن أعتى الاختبارات خلال حوادث الأمن الداخلي عام 1970م، في ذكرى أيلول التي ما زالت شاهداً على مقدرة الحسين وصواب أسلوبه بصون الأردن كدولةٍ. 

ولاحقاً، والشواهد كثيرةٌ في حياة الملك حسين، كانت المنطقة على موعدٍ مع حقبةٍ جديدةٍ من الأسلوب السياسي، عبر عنها اتفاقيات " كامب – ديفيد" ومحاولات فرض أسلوبٍ على الأردن لا يأخذ مصالحه بعين الإعتبار، كان الإنزياح الأردني باتجاه رفض هذا الأسلوب الذي لا يأخذ بعين الإعتبار مصالح الأردن. 

واستند أسلوب الحسين في صياغة نظرية السياسة الخارجية لديه بتوازن القرار بين الداخل والخارج، وبما يعبر عن الشرعية الهاشمية الموصولة، إذ ان السلام الذي اختاره الحسين جاء عقب إيجاد اطارٍ فلسطيني يتقدم لخيار السلام.

وذلك بدافع ايجاد التوازن المطلوب الذي يحفظ للأردن وجهه التاريخي الذي يستقيه من شرعية عروبته، فكان الأردن ثاني الموقعين عقب منظمة التحرير الفلسطينية.

وهذا الأسلوب السياسي للحسين، الذي بقي حاضراً في سياسة الأردن الداخلية، أسهم بتعزيز الدولة ونقلها من مرحلة "إرث الإمارة" إلى مرحلة المملكة الحديثة القائمة على المؤسسية المؤطرة بالدستور والمصونة بالشرعية. 

وعلاقة الملك حسين بشعبه ما زالت علاقةً مشحونة بالوجدان والوفاء، وقد صيغت في بداياتها مدفوعة بالقرارات الجريئة لعهده (طيب الله ثراه) ولكنها لاحقاً عززت مفهوم الأردن كدولة تمتلك عناصر هذا المفهوم (أي الدولة) كأرض وشعبٍ وقيادةٍ.

واليوم، ونحن نستحضر ميلاد الملك الحسين، نرى أننا أحوج ما نكون لدراسة أسلوب الحسين في السياسة الذي بحاجة لفهمٍ عميقٍ نابعٍ من الشرعية والمصلحة الوطنية والمبادئ العربية كثوابت في وجه إقليم تبدلت أوجهه كثيراً في عهده (طيب الله ثراه) . 

إن أسلوب الملك الحسين بالحكم والسياسة أسس للأردن كدولةٍ قادرةٍ على فرض حضورها والدفاع عن مصالحها لليوم.


*مدير المكتبة الوطنية سابقاً ويعمل حالياً ضمن برنامج كرسي الملك الحسين للدراسات الأردنية والدولية في التوثيق والأرشفة وتطوير مكتبة الكرسي