كانون الثاني 30, 2018

حافظ مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية على ترتيبه الأول بين مراكز الدراسات والأبحاث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (من ضمنها؛ إيران وتركيا وإسرائيل)، للعام الثاني على التوالي، بينما تقدّم في ترتيبه العالمي خمسة مراكز من (132) إلى (128)، وذلك ضمن التصنيف العالمي لمراكز الدراسات والبحوث، الذي تصدره جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية.
لمناقشة تلك النتائج عقد المركز أمس ندوة بعنوان "مراكز التفكير: هل هي مهمة؟"، تحدّث فيها كلّ من عبدالإله الخطيب وزير الخارجية السابق، ورئيس مجلس السياسات الاقتصادية، ود. موسى شتيوي مدير مركز الدراسات الاستراتيجية.
شهدت الندوة نقاشات وحوارات معمّقة بين باحثين ومتخصصين في مجالات مختلفة ومتعددة عن حالة البحث العلمي في الأردن، بخاصة في العلوم الاجتماعية، وأعادت التأكيد على ثلاثة أمور رئيسة؛
الأمر الأول؛ وجود الفجوة بين صنّاع القرار ومراكز الدراسات والأبحاث، والخبرات العلمية والأكاديمية في الأردن، وهي فجوة غير مقبولة ولا ممكنة في العالم اليوم، الذي أصبح فيه كل شيء يعتمد على إنتاج المعرفة والبحث العلمي، في المجالات شتى.
وربما هذه الفجوة تفسّر بدرجة كبيرة فجوة الثقة بين الحكومات المتعاقبة والشارع، لأنّ عدم إدراك الحكومات للتحولات الاجتماعية والسياسية، ولا للمطالب الاقتصادية ولا الأوضاع السكّانية بصورة دقيقة، ينعكس بصورة رئيسة على عملية صنع السياسات العامة في البلاد، بصورة عامة، وعلى القدرة – بصورة خاصة- على استدخال الناس في هذه السياسات وعملية الإنتاج وتطوير الموارد المحلية والبشرية.
عند هذه النقطة أثار متحدثون قصة الفرق بين  politics   والـpolicy، وهو تفريق مهم لأنّه يميّز بين السياسة بالمعنى الحرفي (لعبة السلطة والمعارضة والأحزاب: اللعبة السياسية) وبين السياسات العامة، في المجالات المختلفة، التي من المفترض أن تبنى على قاعدة من المعرفة والأبحاث العلمية.
الأمر الثاني، الذي طغى على الندوة، الفجوة بين الأبحاث العلمية، بخاصة في العلوم الاجتماعية، والجامعات من جهة وحاجات المجتمع والتنمية المحلية من جهة ثانية، وهذه الفجوة هي الأكثر أهمية، من وجهة نظري، لأنّها تعكس محدودية وضعف الإنتاج المعرفي والبحثي في كلياتنا ومراكزنا البحثية، ومحدودية مساهمتها في النقاشات العامة والمناظرات الوطنية حول القضايا العامة، بصورة منهجية وعلمية.
فجوة البحث والمعرفة مرتبطة بشروط وأسس مهمة، من ضمنها عقلية الطلاب، منذ المرحلة الأولى في المدرسة، ومناهج التعليم، وصولاً إلى المناهج الجامعية والأبحاث الجامعية ورسائل الماجستير والدكتوراه، وصولاً إلى نوعية المعرفة والكتب التي تدرّس لطلاب الجامعات ومدى تطوّرها ومواكبتها للنظريات المعرفية والعلمية وحالة البحث العلمي في العالم.
الفجوة الثانية (فجوة المعرفة والبحث العلمي) هي بمثابة المدخلات الرئيسة المهمة لمواجهة الفجوة الثانية (العلاقة بين الحكومات ومراكز الدراسات والأبحاث)، لأنّ تقديم أبحاث علمية رصينة، تتسم بالموضوعية والاستقلالية والواقعية، بمثابة الأساس القوي والمتين لإصلاح السياسات العامة في البلاد، وذلك يدفع برؤساء الجامعات والمسؤولين عن البحث العلمي والأساتذة المرموقين في جامعاتنا إلى إعادة نظر جديّة ومراجعة نقدية حقيقية لحالة البحوث العلمية بصورة عامة، والاجتماعية بصورة خاصة، في جامعاتنا وكلياتنا ومراكزنا، وتحديد شروط إنتاج الباحثين وتطوير البحث العلمي، والأولويات البحثية، بما يجسّر هذه الفجوة الملحوظة.
قد ينظر البعض إلى هذا الموضوع من زاوية ثانوية، أي بوصفه خاصاً بالبحث العلمي والجامعات، وليس موضوعاً عاماً أو سياسياً، وربما مناسباً لطبيعة المقال! مثل هذه النظرة تعكس بحدّ ذاتها الخلل في إدراك أهمية البحث العلمي وضرورته ودوره العضوي في تعريف المشكلات الاجتماعية وتقديم الحلول والتوصيات والخيارات أمام صنّاع القرار.