كانون الثاني 29, 2017

الخطاب الإسلامي المعاصر: من الدولة إلى المعرفة

إبراهيم غرايبة

تحتاج مفاهيم مثل "الإسلام السياسي" و"الخطاب الإسلامي" وكذلك اقتصاد المعرفة إلى توضيح، ذلك حتى نتحدث ونتجادل حول الشيء نفسه، وبالطبع فإنه لا يمكن للأسماء أن تبوح بكل ما تسميه، وستظل تحمل دلالات وأفكارا وتجارب متعددة ومختلفة ما يجعلنا دائما مختلفين.

الإسلام السياسي والخطاب الإسلامي

يعبر مصطلح "الإسلام السياسي" عن عمليات الصياغة المعاصرة للإسلام التي ابتدأت منذ أوائل القرن التاسع عشر، وقدمت منظومة واسعة وممتدة من التطبيقات والدراسات والمؤسسات والجماعات والأنظمة الجديدة التي أعادت تقديم الإسلام على نحو استوعب التحولات الاقتصادية والسياسية والعلمية التي سادت في الغرب وشملت عالم الإسلام، وهي جهود شارك فيها علماء ومفكرون وأساتذة وباحثون وأنظمة سياسية ومؤسسات علمية وتعليمية واقتصادية، وجماعات سياسية واجتماعية؛ أفضت إلى محصلة عميقة ومعقدة من الفكر والبرامج والمؤسسات والتطبيقات "الإسلامية" في السلوك والثقافة والحكم والتعليم والإعلام والبنوك والأسواق والسلع والخدمات والعلاقات.

شاع استخدام مصطلح الإسلام السياسي، باعتباره يعني الجماعات الإسلامية السياسية التي تعمل لأجل تطبيق الشريعة الإسلامية والمفاهيم والأحكام الإسلامية من خلال المشاركة السياسية السلمية و/أو الديمقراطية، لكنه اسم يحتمل تسميات أخرى كثيرة غير ذلك؛ فبما هو يعني التطبيق والمفهوم السياسي للإسلام، ويشمل هذا التعريف الأنظمة السياسية العربية والإسلامية القائمة، والتي تطبق الشريعة الإسلامية أو تقوم بدور ديني سياسي، كما يشمل أيضا جماعات إسلامية متطرفة، سواء كانت سلمية أو تستخدم العنف؛ لأنها أيضا جماعات لديها برامج وتصورات لتطبيق الإسلام وفهمه سياسيا.

الخطاب الإسلامي

يستخدم أيضا مصطلح الخطاب الإسلامي للدلالة على التطبيق والفهم العملي للإسلامي في السياسة والاقتصاد وسائر المجالات. ويعني مفهوم الخطاب كترجمة لـ    discourse  المعالجة المنهجية للنص بما هي فكر وفلسفة تطبقها أو تقوم عليها سلطة أو جماعة، فهو مفهوم يعكس التفاعل بين الفكر وبين الجماعات والسلطات أو الأفكار والفلسفة التي تلتزمها سلطة أو جماعات، فلا تعود الفكرة أو الفلسفة هي نفسها بعد أن تكون خطابا لكن الخطاب مستمد منها بطبيعة الحال، وفي ذلك فإن مفهوم الخطاب الإسلامي السياسي قد يكون أكثر صوابا وأفضل تعبيرا من مفهوم "الإسلام السياسي"

عصر المعرفة أو "الشبكية

يطلق عصر المعرفة أو اقتصاد المعرفة أو الشبكية على التحولات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لتقنيات الحوسبة والاتصالات، وقد يكون مفهوم "الشبكية" تعبيرا عن تفاعل الحوسبة مع الاتصالات الأفضل وصفا لهذه المنظومة التقنية الاقتصادية الاجتماعية باعتبار ان المعرفة تمثل جوهرا وهدفا للإنسان في كل العصور والمراحل.

تجتمع في عبارة "المجتمع الشبكي"، باعتبارها أطروحةً تؤكد أن روح عصرنا هي روح الشبكية، فالشبكات أصبحت قوى محركة للحياة الفردية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية"، ويعبر عن هذه المسألة عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستلز، على النحو التالي: "ثمة نزعة تاريخية تنتظم بمقتضاها الوظائف والعمليات الأساسية حول الشبكات على نحو متزايد، وتكون هذه الشبكات الوجه الاجتماعي لمجتمعاتنا، ويعمل انتشار منطق التشبيك على تعديل العمل وثماره تعديلاً جوهرياً في نواحي الإنتاج والتجربة والقوة والثقافة"

تضيف عبارة المجتمع الشبكي خاصيتين في توصيف المجتمعات الجديدة، أو المتشكلة حول التقنيات الجديدة: تقانة الحوسبة والاتصالات، وتوزيع المعلومات وإدارتها على نحو شبكي، وإعادة إنتاج الشبكية باعتبارها الشكل الأساسي للتنظيمات والعلاقات الإنسانية، عبر نطاق واسع من الهيئات والجمعيات الأهلية والسياسية والاقتصادية.

في الاقتصاد الشبكي وتشكله من خلال الشبكة، وعلى نحو عالمي، فإن دور الدولة يتغير متراجعاً عما كان عليه في المجتمع الصناعي. وقد نشأ شركاء للدولة في تنظيم السلطات السياسية والاقتصادية، ويبدو أن المكان والزمان لهما مفهوم مختلف، وكأنهما، في المنظور الصناعي، لا مكان ولا زمان. وفي المجتمع الشبكي، تتوقف القوة والتأثير على المشاركة والوصول (Access) إلى الشبكة والسيطرة، أو المشاركة في تدفق المعلومات والسلع من خلالها.

المجتمع الشبكي مسألة تستحق، بالطبع، اهتماما كبيراً وشاملاً، ذلك أن معظم، إن لم يكن جميع، المفاهيم والموارد والعلاقات يعاد تعريفها وتشكيلها اليوم، ونحتاج إلى التعرف إليها من جديد، وعلى نحو تبدو خبراتنا ومفاهيمنا ومهاراتنا المستمدة من مرحلة ما قبل الشبكية عرضةً للزوال وعدم الجدوى.

حلت الرأسمالية، كما يقول كارل بولانيي، من دون إعلانٍ عن نفسها. ولم يطرح أحد نبوءةً عن الصناعة التي تستخدم الآلات، فقد جاءت مفاجأة للجميع. وكانت الأسواق، قبل زماننا، تشكل جزءاً ثانوياً من الحياة الاقتصادية، وكان النظام الاقتصادي مدمجاً بالنظام الاجتماعي، ولم تكن السوق ذاتية التنظيم معروفة. ويمكن قول الأمر نفسه كيف حلّت الشبكية من دون إعلان ومن دون توقع كاف أيضاً.

وقد تساعدنا إجابات جون كينز وكارل ماركس وآدم سميت وإميل دوركايم وماكس فيبر، .. لكنها ليست كافية، ولسوء أو حسن الحظ، فإن الناس جميعهم اليوم يواجهون التحدّي، وواجب البحث.. ولربما يكون لدى أحدهم، من غير توقع مسبق، إجابة مميزة تساعد العالم.

مسارات الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر:

 من إصلاح الخلافة إلى استئنافها إلى الأسلمة إلى البدائل الإسلامية .. إلى الأزمة!

يمكن التأريخ للخطاب الإسلامي المعاصر بما هو الاستيعاب المعاصر لقضايا الدين والدولة ببداية القرن التاسع عشر عندما بدأت الدول الإسلامية تحاول اقتباس النموذج الغربي المعاصر للدولة الحديثة كما حدث في مصر محمد علي والدولة العثمانية وتونس وكثير من الحواضر الإسلامية، وتطورت ظاهرة الخطاب الإسلامي السياسي وتعددت مساراتها واتجاهاتها ومرّت في تحولات عدة حسب تحولات وتطورات الدولة الحديثة في عالم العرب والإسلام، وفي ذلك فإنها تحولات تعكس الحالة الاجتماعية والحضارية وتغيراتها وأزماتها، وهي باختصار أزمة الدولة الحديثة نفسها، ويمكن القول أيضا إن أزمة الإسلام السياسي اليوم تؤشر إلى أن الدولة الحديثة تواجه الأزمة نفسها.

ويمكن عرض هذه التحولات والاتجاهات في الخريطة التالية:

1- إصلاح الخلافة والسلطة التي كانت امتداد للقرون الوسطى وتقوم على الحق الإلهي والغلبة لأجل استيعاب الاتجاهات السياسية والفلسفية الجديدة في تنظيم الدول والمجتمعات، مثل الدستور وفصل السلطات وبناء المؤسسات العامة للتعليم والرعاية، واستعادة أو اقتباس الاتجاهات العقلانية في  فهم النصوص وتأويلها، ومن رواد هذه المرحلة رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وخير الدين التونسي، وعبد الرحمن الكواكبي.

2- العمل لأجل استعادة أو استئناف الخلافة الإسلامية بعد إنهائها في استنبول، ومن أمثلة هذا الاتجاه رشيد رضا، وشكيب ارسلان، ومحب الدين الخطيب، وجماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا عام 1928 وقدمت هدفها بوضوح في استئناف الخلافة ونهضة الأمة الإسلامية.

3- اتجاه الاستغناء عن الخلافة، وأوضح وأهم مثال على هذا الاتجاه علي عبد الرازق وكتابه الإسلام وأصول الحكم الذي صدر في عام 1925. وفي امتداد هذا الاتجاه وتطوره وتبلوره فيما يمكن وصفه "العقلانية الإسلامية" يمكن إدراج عدد غير قليل من المفكرين والمثقفين، مثل نصر حامد أبو زيد، وعبد الله النعيم، ومحمد محمود طه، ومحمد أركون، ووائل حلاق، وجورج طرابيشي.

4-  فكر النهضة والإصلاح، برغم أن هذه الاتجاه يتقاطع مع الاتجاه السابق، وبرغم أنه يتضمن اتجاهات وأفكارا مختلفة ومتباينة لكن يمكن ملاحظة أنها اتجاهات وجهود كانت تركز على النهضة والتقدم أو الإصلاح اكثر من انشغالها بالعلاقة بين الدين والدولة، ومن رواد وأصحاب هذا الاتجاه: سيد قطب في المرحلة السابقة لعام 1954 والتي يعبر عنها كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام، ومصطفى السباعي (الإسلام والاشتراكية) وحسن الهضيبي (دعاة لا قضاة) ومالك بن نبي وخاصة كتابه شروط النهضة، وسيد دسوقي: البعث الحضاري، وإسماعيل الفاروقي: إسلامية المعرفة، ورحيل غرايبة: الحقوق والحريات وفي الشريعة الإسلامية، ومحمد عابد الجابري،  وعبد المجيد الشرفي، وعبد المجيد الصغير، وهشام جعيط، وطه عبد الرحمن، ومحمد عابد الجابري، وأحمد صدقي الدجاني، ومحمد الطالبي، ووحيد الدين خان،..

5-  تطبيق الشريعة الإسلامية والدور الديني للدولة

رغم أن هذا الاتجاه لم يدرس دراسة كافية، ولم تلاحظ بعد محاولات التأريخ والتحليل للحالة الدينية أثر عمليات تطبيق الشريعة وإحلالها في القوانين والتشريعات والمؤسسات والحياة اليومية والدور الديني الواسع للدولة الحديثة، ولعله دور غير مسبوق في التاريخ الإسلامي، حيث أنشأت الدول الحديثة وزارات ومؤسسات قائمة على الشأن الديني وكليات علمية في الجامعات لتدريس العلوم الدينية وتقديم البحوث والدراسات وكذلك العدد الكبير من رسائل الماجستير والدكتوراه، لقد ساهمت السلطات السياسية في إنشاء وتطوير خطاب إسلامي وحالة دينية مؤثرة، ولعلها أكبر وأهم مصدر في تشكيل الظاهرة الدينية القائمة اليوم، بما في ذلك الحالة المتمردة والمناوئة للسلطات السياسية.

6- الأسلمة والإسلامية

يقصد بهذا الاتجاه العمليات الاجتماعية والاقتصادية غير الحكومية لأجل التأثير على السياسات والتشريعات والمؤسسات باتجاه الاستيعاب الإسلامي للحياة المعاصرة، مثل الجماعات الإسلامية الجديدة، والمؤسسات التعليمية والإعلامية والاقتصادية "الإسلامية" والتي أنشأت حالة دينية واسعة وممتدة في الأسواق والمجتمعات.

7- البديل الإسلامي والصراع السلمي في الدول والمجتمعات

تؤشر فكرة البديل الإسلامي إلى مؤسسات وكيانات اجتماعية واقتصادية "إسلامية" تشكل بديلا للمؤسسات الأخرى القائمة والتي تعتبر "غير إسلامية" مثل المدارس والأندية والبنوك والمنتجعات السياحية، وكذلك انظمة واتجاهات اللباس والطعام والبيوت والعمارة، وفي ذلك يتشكل صراع اجتماعي سلمي بين النموذجين، الموصوف أحدهما بأنه "إسلامي" والآخر "غير إسلامي"

8- البديل الإسلامي والخروج من المجتمع والانقسام الاجتماعي

تؤشر هذه الحالة على نموذج "إسلامي" انفصالي عن المجتمع والبيئة المحيطة، وهي تختلف عن الحالة السابقة في طبيعة ومستوى صراعها، إذا أنها تأخذ طابع العنف المعنوي والمادي أحيانا، والكراهية والاعتداء والرفض للآخر الموصوف بأنه "جاهلي" وبرغم أنه تعبير غير محدد ابتدعه سيد قطب ثم بلوره محمد قطب في كتابه "جاهلية القرن العشرين" لكنه يعني عمليا ضد الإسلام أو الكفر العملي وإن لم يقل أصحابه صراحة بكفر من ليس سواهم، وطور هذا الاتجاه في تجمعات ودراسات جامعية وكتب مهمة مفاهيم واتجاهات جديدة ومؤثرة في الحالة الدينية الاجتماعية، مثل الولاء والبراء والحاكمية والمفاصلة الشعورية واستعلاء الإيمان،...

9- السلفيات والأصوليات "استعادة النماذج المبكرة للإسلام"

بدأ "البعث" السلفي في القرن الثامن عشر تجمعا سياسيا واجتماعيا محدودا في نجد في الجزيرة العربية، لكنه انتشر وازدهر سريعا وبقوة بعد سقوط الخلافة العثمانية، ثم تضاعف انتشاره وتأثيره في سبعينات القرن العشرين (ربما ردّا على هزيمة حزيران 1967) وصعد في تسعينات القرن العشرين ليتحول مع بداية الالفية الثالثة إلى تحدّ عالمي يشغل العالم. وبرغم أن السلفية ظلت فترة طويلة حالة سلمية، تمثل اتجاها محافظا في المجال الديني والاجتماعي وحليفا سياسيا للسلطات، لكنها تحولت إلى حاضنة ومنشئة لمتوالية من الجماعات القتالية والمتطرفة تطرفا غير مسبوق.

10-   الديمقراطية الإسلامية

طور الاتجاه الإسلامي السياسي في جماعة الإخوان المسلمين والجماعات المناظرة ن في تركيا والقارة الهندية وشرق آسيا نموذجا ديمقراطيا، يعبر عنه بوضوح في عالم العرب راشد الغنوشي  في كتابه الحريات العامة في الدولة الإسلامية وفي تجربة حزب النهضة الذي أسسه ويرأسه الغنوشي في تونس، وحسن الترابي في كتابه السياسة والحكم بين الأصول والواقع إضافة إلى التجربة السياسية الواقعية للإخوان المسلمين ثم الجبهة الإسلامية في السودان برئاسة الترابي، وتجربة الإخوان المسلمين في المغرب (العدالة والتنمية) وحزب العدالة والتنمية في تركيا، إضافة إلى مشاركات سياسية عديدة للإسلام السياسي في مصر والاردن وباكستان وإندونيسيا وماليزيا والكويت، ...

11-  الفوضى الدينية والتمرد والخروج على الدول والمجتمعات

تطور جزء كبير من الحالة الدينية المعاصرة إلى عنف دامي وصراع مسلح وأهلي طاحن في بلاد عربية وإسلامية كثيرة، كما حدث في مصر منذ منتصف التسعينات، وفي الجزائر طوال عقد التسعينات، وفي العراق وسوريا وأفغانستان وليبيا واليمن وإيران وطاجيكستان، وفي عمليات القتل والتفجير والاعتداءات والمنتمية إلى اتجاهات ومشاعر وتنظيمات إسلامية والتي تحدث في أنحاء واسعة في العالم.

12- الأزمة والطريق المسدود

تمثل حالة  التطرف والكراهية والعنف والفوضى والصراعات الدينية والأهلية الطاحنة اليوم والتي تجتاح عالم العرب والمسلمين أزمة عميقة للخطاب السياسي الإسلامي وتحديا قد تعصف به، أو تجعله يعيد صياغة نفسه صياغة جديدة مختلفا جذريا عما كان عليه الحال منذ اوائل القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين.

تداعيات الشبكة (اقتصاد المعرفة) على التجربة الإسلامية

1- الصراع على الدين في الوقت الضائع

يبدو الدين اليوم، محرّك الصراعات القائمة في عالم العرب، لكن يبدو مؤكداً أيضاً، أن المؤسسة الدينية تواجه تحديات جوهرية تغير في دورها ومصيرها، ولن تكون بطبيعة الحال في منأى عما أصاب مؤسسات الإعلام والثقافة والمعرفة الأخرى في مرحلة «الشبكية»، فكما انحسرت المؤسسات الإعلامية للدولة وضعفت قدرتها على الاحتكار والمراقبة والسيطرة على عالم الفضاء والشبكات وما يتدفق فيهما من معلومات، فإن المؤسسة الدينية أيضاً لم تعد قادرة على احتكار المعرفة الدينية، وفي ذلك فإننا في مواجهة مؤسسات دينية شبكية مختلفة اختلافاً كبيراً وجوهرياً، ولن يكون في غضون سنوات قليلة مقبلة وجود للمؤسسة الدينية في هيكلها القائم اليوم. ومن ثم لن يكون ثمة معنى للصراع الديني نفسه أو للصراع على الدين!

كانت المدن في تشكّلها عبر التاريخ، تدور حول قلعة الحكم وهيكل الدين، ومثلت المؤسسة الدينية في ذلك دوراً حيوياً بالغاً للحكم جعل من القلعة والهيكل توأمين لا ينفصلان، ففي المعرفة والاحتياجات الدينية وأسرارها كان الهيكل سلطة اجتماعية ومعرفية يخشاها الحاكم ولا يستغني عنها، وكان التحالف مع القلعة ضرورة للهيكل أيضاً، إذ كانت ثمة حاجة ملحّة الى دعم وحماية التميز والاحتكار اللذين نشآ لطبقتي الحكم والدين، التأثير المعرفي والروحي الذي يعزز السلطة القهرية للحكم، والقهر الذي يحمي الهيكل.

لكن الشبكية بما هي مساواة مطلقة تنشئ مدناً جديدة مختلفة، ففي القدرة على الحصول على المعرفة وإنتاجها أيضاً تتشكل مشاركة عامة جديدة تغير من معنى المؤسسة الدينية، ولعل سؤال الدين وعلاقته بالدولة والمجتمعات والأفراد هو اليوم أكثر تطبيقات اقتصاد المعرفة وتقنياتها، ففي واقع الحال لم يعد الدين أداة سلطوية ونخبوية، ولم تعد المعرفة الدينية سراً مقتصراً على طبقة من رجال الدين، ولم يعد الهيكل مقصداً لطالبي المعرفة.

وربما يكون الصراع الديني القائم اليوم إدراكاً واعياً أو غير واعٍ لنهاية التحالف بين القلعة والهيكل، فقد تحول الدين من أداة سلطوية إلى أداة فاعلة بيد المهمشين والمعارضين والمتمردين، وربما يكون الحلّ أو المآل تحرير الدين من الصراع وتحرير الصراع من الدين. سيكون ذلك أمراً حتمياً، ولن يطول المقام حتى يتحول الدين إلى شأن بعيد من السلطات والجماعات والطبقات، فالشبكية التي حرمت السلطات والنخب من هذا المورد لن تجعله حكراً على الجماعات، أو على أحد من الناس، طالما أنها تمنحه بلا وساطة أو وصاية من أحد أو هيئة.

كيف نفكر لمدن شبكية يتساوى فيها جميع الناس بقدر ما يتساوون في الوصول إلى الشبكة؟ وفي ذلك نتساءل بطبيعة الحال، عن العلاقة الجديدة أو المتوقعة بين المؤسسة الدينية والسلطة السياسية والأفراد والمجتمعات؟ ما الثقة الممكنة والمتبقية للمؤسسة الدينية عندما لا تعود مصدراً للمعرفة. فقد ورثتها الشبكة بكفاءة ونزاهة، ما معنى العالم الديني أو الفقيه اليوم، وماذا تركت لهما الشبكة؟

لقد غيرت الشبكة (ستغير) معنى المؤسسة والمعرفة الدينية، فبرامج الحاسوب، بخاصة في مرحلة البرمجة الإدراكية المتقدمة، والتي تتجاوز جمع البيانات والمعلومات وتنظيمها إلى تحليلها، تقدّم لقاصدي المعرفة والمشورة (والاعتراف أيضاً) كل أو معظم ما يحتاجون إليه، ولم يعد مجال كبير للعمل الديني المؤسسي، وفي تقديم الخدمات المعرفية صار يتشارك في الدور المعرفي والديني مع الفقيه أو الكاهن متخصصون آخرون، مثل مصممي ومبرمجي تطبيقات الشبكة وبرامجها وغيرهم، فمن هو رجل الدين اليوم؟ ألا يمكن أن يكون مبرمجاً حاسوبياً، وقد يكون منتمياً إلى دين آخر .. وقد لا يكون منتمياً إلى دين؟ ثم وفي مرحلة عندما يتحول الذكاء الصناعي إلى تطبيقات حاسوبية تطور وتضيف ما يبدو حكراً على البشر اليوم، هل سيكون الروبوت أو البرنامج الحاسوبي مصدرا للمعرفة والاستشارة؟

2-  الخطاب الديني الشبكي/ المعرفي

هل يمكن الحديث عن خطاب ديني معرفي مستمد من اقتصاد المعرفة الذي يهيمن على الاقتصاد اليوم ويعيد تشكيل المجتمعات والثقافات؟ يمكن بوضوح ملاحظة تطور الخطاب الديني مصاحبا للتحولات الحضارية من الزراعة إلى الصناعة، ومن ثم يمكن الحديث عن خطاب ديني زراعي وخطاب ديني صناعي،.. وفي التحول نحو اقتصاد المعرفة ومجتمعاتها لا بد من تشكل خطاب ديني "معرفي"

تقتضي المقولة هذه عرض العلاقة بين تشكل الخطاب الديني والحالة الحضارية والاجتماعية السائدة وتطوراتها، ثم محاولة فهم وتقصي الأبعاد الاجتماعية والثقافية لعصر المعرفة واشتقاق الاتجاهات والأفكار المتوقعة والمتعلقة بالخطاب الديني في هذه المرحلة، ولكن الفرصة المتاحة للحديث تبرر القفز  مباشرة إلى فكرتين، وهما ضرورة نقد الخطاب الديني القائم بما هو  ينتمي إلى مرحلة آفلة أو على وشك الأفول، وملاحظة العلاقة بين أزمة الخطاب الديني القائم وأزمة المرحلة بعامة بما هي انتقالية مرتبكة تلقي بعدم اليقين على كل الحالة السياسية والاجتماعية والموارد والأعمال والعلاقات والأسواق والمجتمعات والمؤسسات بما في ذلك السلطات السياسية ودورها.

وبطبيعة الحال يمكن الحديث اليوم عن خطاب ديني شبكي يشارك جميع الناس في صياغته وفي التأثير فيه ونهاية الخطاب الهرمي الذي تحتكره مؤسسة أو سلطة، وعن مشاركة الأسواق والمجتمعات في تنظيم الشأن الديني مع السلطة السياسية، وفي صعود الفرد وفرصه الهائلة في الشبكية وفي الأعمال والموارد والقدرات والعلاقات يكون الخطاب الديني موجها أساسا إلى الفرد وملاحظة تطلعاته واحتياجاته وأسئلته الجديدة،...

مرجح أن ينتهي الخطاب الديني الذي تقوم عليه الدولة وتنشئ لأجله الوزارات والكليات والمناهج التعليمية والسلطات والقوانين، ففي انسحاب الدولة من إدارة وتوفير الخدمات والسلع وامتلاك المؤسسات العامة سوف تنسحب من الدين أيضا وتتركه للأفراد والمجتمعات، ولم يعد ممكنا ولا متقبلا ان تخصخص الدولة الكهرباء والاتصالات والتعليم والصحة والتموين... وفي الوقت نفسه تواصل تأميم الدين!

في هذه التحولات يغير الخطاب الديني في محتواه وأدواته ليستجيب للتحولات والاتجاهات الجديدة، ويستخدم مداخل التأثير الجديدة والتطلعات المتوقع أن تنشأ لدى الأفراد والمجتمعات أو الفراغ والقلق الذي تنشئه التحولات، ولن يواصل وجوده وتأثيره المستمد من الجماعات والمؤسسات الرسمية والقوانين والتشريعات المنظمة لحياة الناس وأسلوب حياتهم وأفكارهم.

ربما يكون تحولا في الخطاب مؤلما وفوضويا، ولكنها على أي حال فوضى شاملة في الأفكار والمؤسسات لن ينجو منها خطاب اجتماعي وثقافي، وفي هذه الفوضى تجرب المجتمعات والأفراد خياراتها وتنشئ أفكارها وتصوراتها...

3- النهايات والبدائل

تعني "نهايات" هنا انتهاء مرحلة وبداية مرحلة أخرى، وهي حالة أصابت الأفكار والنظريات والموارد والأعمال جميعها، ولا بد أن الخطاب الديني قد تعرض لهذه الموجة، ويحتاج أيضا أن يشكل مفاهيم وحالات ومعاني وأفكارا جديدة مختلفة عما درج عليه الخطاب طوال العقود والقرون الماضية.

هذه السيادة للنسبية تجعل الخطاب نسبيا أيضا (نهاية المطلقية) والشبكية التي تترسخ في المعرفة والإدارة تزيد من شأن المجتمعات على حساب الجماعات (نهاية الجماعات)، وحالة الشك والفوضى التي تعم الأفكار والفلسفات تجعل من الصعب وصف الأهداف والمطالب بأوصاف يقينية، وبتغير مفهوم السياسة (ما بعد السياسة) فإن الخطاب يتحول من السياسة إلى الإصلاح، ومن الإسلام هو الحل إلى الإصلاح هو الحل، وفي حالة المساواة والشبكية فإن التواصل والعمل والبحث (والفتوى أيضا) تتحول من الهرميّة إلى الشبكيّة، ومن التلقي إلى المشاركة، ومن الحتمية والأُحاديّة إلى الانتقاء والتعدّديّة، ومن أُحاديّة الصواب إلى تعدّديّته، وفي حالة الشك والفوضى فإن الخطاب يتحول من الكمال أو مظنة الصواب والكمال إلى محاولة الاقتراب منه (نهاية الصواب)، ومن المثاليّة إلى التراكم، فالاستيعاب، فالإبداع، فالتراكم مرة أخرى، ومن وهم الصواب إلى حقيقة السؤال، ومن لذّة اليقين إلى قسوة الشك، ومن الوصاية إلى مشاركة المجتمع، ومن "غيتو" الجماعات والتنظيمات إلى فضاء الزمان والمكان.

الإنسان متجه ليكون قادرا على تعليم ومداواة نفسه بنفسه، وأن يحصل بنفسه أيضا على الاحتياجات والمعلومات والتواصل مع العالم كله وعلى قدر من الكفاءة والمساواة التي تمنحها المؤسسات المعقدة والمتطورة، وبطبيعة الحال فإن عالم الدين ومؤسساته القائمة منذ قرون تواجه حالة خوف من الانقراض.

يقول أولريخ صاحب نظرية "مجتمع المخاطرة العالمي" إن المجتمع الصناعي بدأ بالاندثار مفسحا المجال لمجتمع جديد تسوده الفوضى، وتغيب فيه أنماط الحياة المستقرة ومعايير السلوك الإرشادية.

4-  الخوف والنكوص في مواجهة صدمة الشبكية؟

تتجه الأمم حسب نظرية أرنولد توينبي "التحدي والاستجابة" في التعامل مع الصدمات التي تتعرض لها في أحد مسارين: النكوص إلى الماضي ومحاولة استعادته والتمسك بعه تعويضا عن الواقع المرّ، أو محاولة استيعابها والتغلب عليها وتوظيفها إيجابيا.

وتمثل الشبكية صدمة كبرى للأمم والمجتمعات والأفراد، وربما تكون الظاهرة المتمثلة في الموجة الدينية الصاعدة وانحسار الفلسفة من أهم وأكثر مؤشرات الخوف وضوحا في هذه المرحلة، فالانحسار الفلسفي بما هو غياب الوعي بالأسئلة الكبرى للكون والحياة، أو العجز عن التفكير فيها أو الانشغال عنها، أو عجز أدواتنا الفلسفية عن فهم واستيعاب العالم المتشكل؛ يؤشر إلى مرحلة يمكن وصفها بــ "عالم يحتضر". ذلك أن فناء عالم "الصناعة" يعني نهاية الفلسفة المنشئة له والمستمدة منه أيضا؛ ففي هذه النهايات للأعمال والموارد والمؤسسات والأسواق والعلاقات والطبقات، تنتهي أيضا الأفكار المصاحبة لها. وبطبيعة الحال؛ فإن فلسفة جديدة تنبعث مع انبعاث العالم المتشكل!

لكن، لماذا يبدو ذلك لم يحدث بعد؟ ولماذا تراجعت الفلسفة لتصعد موجة هائلة وعاصفة من التدين؟ فالعالم كله، وعلى اختلاف أديانه، يبدو ممعنا في بعث ديني وليس في بعث فلسفي! الفلسفة تنشأ حول السؤال، والتدين ينشأ حول الخوف! وفي هذه النهايات العاصفة لعالمنا، يصعد الخوف، ويكون الدين إجابة حاضرة وبدهية وملجأ من هذا الخوف الذي يكتسح عالمنا اليوم؛ إذ يهيمن على الناس جميعهم اليوم خوف وقلق من المستقبل المجهول والمنقطع عن الحاضر والماضي، وتشكلاته التي تبدو مفاجئة لجميع الناس.

معظم الأعمال والمهن والأسواق والمؤسسات والموارد التي تبدو اليوم قائمة وسائدة، هي موضع شك في مصيرها وقدرتها على البقاء. لن تكون الأعمال والمؤسسات القائمة اليوم موجودة بعد سنوات قليلة، ولن تكون المدارس والجامعات والشركات والأسواق القائمة اليوم باقية كما هي بعد سنوات قليلة. لم يعد هذا الهاجس المستقبلي حديثا معزولا أو خيالا علميا.

وببساطة، فإن الإنسان تحكم مسار حياته ووجوده ومصيره ثلاثة محددات أساسية بيولوجية سلوكية ونفسية: البقاء، والخوف، والارتقاء. ولا يمكن الارتقاء إلا بتأمين البقاء ومواجهة الخوف والمهددات؛ فالإنسان يفكر في تحسين بقائه عندما يملك الوفرة في الوقت والموارد، ويؤمّن بقاءه واحتياجاته الأساسية. والفلسفة تعكس الارتقاء وتحسين البقاء، وصياغة أسئلة جديدة، أو التفكير في أسئلة مؤجلة، والبحث عن إجابة. هكذا نشأت الفلسفة في العصور القديمة والوسطى بعدما تطورت الزراعة، منشئة استقرارا وقرى ومدناً، ثم نهضت الفلسفة المعاصرة بعد الثورة الصناعية وأنشأت هذا العالم الذي نعرفه.

واليوم في ظل الخوف الذي يكتسح عالمنا الآيل للسقوط، والعالم المقبل غير الواضح، لم تعد الفلسفة قادرة على حماية وعينا بذاتنا ولا تشكيل وعي جديد، ولا نملك أيضا القدرة على انشغالات تتقدمها انشغالات البقاء ومواجهة الخوف على وجودنا وأعمالنا ومصائرنا. لكنها وبطبيعة الحال مرحلة انتقالية محدودة؛ إذ سوف تبدأ الموارد الجديدة بالتشكل، ومعها أسواقها ونخبها وأفكارها وفلسفتها.

الإصلاح الممكن والآفاق المستقبلية

يفترض، بطبيعة الحال، أن تنشأ حول اقتصاد المعرفة، بما هو التقنيات والموارد الجديدة (الحوسبة والتشبيك والتصغير والأنسنة والجينوم)، منظومة اجتماعية وثقافية. وبالطبع، تبدو التقنيات والموارد واضحة ومجمعاً عليها، لكن التشكل الاجتماعي والثقافي ليس واضحاً ولا حتمياً أو تلقائياً، فالمجتمعات أبطأ من الأسواق، ولا تسلك في تشكلها على نحو تلقائي، وهنا يكون الإصلاح في مسارات ثلاثة: إنشاء العلاقة الصحيحة والملائمة بين الموارد والتقنيات وبين التشكلات والاستجابات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، ومواجهة العلاقات والتشكلات الخاطئة، وإعادة صياغة الأهداف والأغراض العملية للإصلاح، في ظل الفرص والتحديات الجديدة الناشئة عن هذه التقنيات والموارد، وأخيراً إعادة تعريف الإصلاح نفسه.

تتمثل الاتجاهات الاجتماعية والثقافية الصاعدة في ظل اقتصاد المعرفة وتقنياتها في خمس اتجاهات رئيسية، هي: أسلوب الحياة ومهاراتها، والمجتمعات والمدن المستقلة، والفنون الجميلة والإبداعية؛ من العمارة والشعر والموسيقى والتصميم والرواية والرسم، والفلسفة والتصوف، وأخيراً الإنسان الذي يعمل بنفسه ولنفسه. وبالطبع، فإنها مقولات وتقديرات تحتاج إلى توضيح وإثبات.

مؤكد أن الإنسان يبحث ويفكر في القيم الجديدة والناشئة، وتلك المتغيرة بفعل التحولات التي تجري في الأسواق والموارد، وبسبب سرعة هذه التحولات وجذريتها، فإن الأفراد والمجتمعات تعطي أولوية وأهمية لأسلوب الحياة، باعتباره التكيف الضروري الذي يجب اتباعه، فعلى سبيل المثال، عندما تصعد وتنتشر تقنيات التصوير والمراقبة وجمع البيانات، يتشكل فكر واتجاه اجتماعي لحماية الخصوصية وإعادة تعريفها، وكانت الفردية ضريبة تؤدي في مجتمعات الصناعة، لكنها تتحول في اقتصاد المعرفة، إلى ضرورة اجتماعية، يحمي بها الإنسان نفسه من الانتهاك والخواء. هكذا، تصعد قيم الفردية باعتبارها مبدأ أخلاقياً رفيعاً وحقاً جديداً للإنسان، ليحمي نفسه من غوغائية التقنيات الجديدة وليرتقي بنفسه، ويحلّ فيها القيم والمعرفة والمهارات الجديدة التي تحميه، والعلاقات الاجتماعية نفسها تتعرض لتحولات وتحديات، ففي فرص العمل، في المنزل أو عن بعد، يقلّ الدور الاجتماعي لمؤسسات العمل، وهي نفسها تواجه الانحسار والتحول. وفي فرص التعلم الذاتي وعن بعد، يقل الدور الاجتماعي للمدارس والجامعات. وهكذا، فإن الإنسان في حاجة إلى أوعية جديدة، لتنظيم علاقاته. كيف ستتكون منظومات الصداقة والتواصل والحب والتعارف؟ وما حدودها في ظل فرص وإمكانيات التواصل الجديدة، واختفاء، أو انحسار وسائل التعارف والعلاقات التقليدية؟.. هذه أمثلة للتحديات والتحولات التي تغير في حياة الإنسان وتجعل أسلوب الحياة مجالاً صاعداً لإجابة التساؤلات الجديدة، وبناء الحياة الجديدة نفسها، كالصداقة والأسرة والطعام واللباس والسلوك الاجتماعي واللياقة والآداب الفردية والاجتماعية.

وصار الإبداع القوة الرئيسية المحركة لاقتصاد المعرفة وأسواقها، وهذا يجعله هدفاً أساسياً للتعليم والتدريب ومقياساً للتقدم المهني والاجتماعي، وجوهر التنافس على فرص العمل والقيادة. وهكذا تصبح الثقافة والفنون والموسيقى والكتابة الإبداعية والشعر والرواية والقصة والعمارة والتصميم المحتوى الأساسي للمؤسسات التعليمية والتدريبية، لأن الإبداع والخيال أهم مورد في الأعمال والأسواق.

ويعتمد التقدم العلمي والتقني الجديد على معرفة الإنسان وفهمه، ففي محاكاة التقنية للإنسان، تصعد علوم اللغة وعلم النفس والاحتمالات، فجوهر التقدم العلمي والتقني، اليوم، هو تحويل اللغة والإمكانات والمهارات العقلية والتحليلية والتذكر والتداعيات والترجمة والتفكير إلى رموز وبرامج حاسوبية وأجهزة وروبوتات. وبطبيعة الحال، يصعد عدم اليقين ليحل محل اليقين، فتتراجع أهمية العلوم اليقينية، وتصعد الفلسفة وعلوم الاحصاء والاحتمالات واللغة والإنسانيات، وتحتل موقعاً جوهرياً ومؤثراً في العلم والتقنية والحياة، وفي إعادة النظر في المعنى والجدوى والوجود والمصير. وفي صعود التدين الفردي يصعد التصوف، بما هو التأمل الفردي والبحث عن الإجابات والإلهام.

إنسان المعرفة بفرديته وإمكاناته الجديدة يعيد تعريف العمل والمهن والحرف، وتتغير تبعاً لذلك المدن والمجتمعات، وعلاقتها بالأفراد والدولة والسوق، ففي مدن الأفراد القادرين على العمل، بأنفسهم ولأنفسهم، والذين لم يعودوا في مواردهم يرتبطون بمؤسسات عمل محددة، وأنظمة عمل تقليدية، يتغير تخطيط المدن والطرق والبيوت، وتتغير أيضاً العلاقة مع السلطات والأسواق... إنها مدن ومجتمعات أقرب إلى الاستقلالية والقدرة على تنظيم احتياجاتها وأولوياتها أو معظمها بلا حاجة كبيرة إلى السلطة المركزية، فتصعد أنظمة الحكم المحلي واللامركزية، ويدبر الأفراد وأهل المدن معظم احتياجاتهم وخدماتهم الأساسية، ما يجعلهم أكثر ولاية على أنفسهم واحتياجاتهم وخدماتهم، ويصبح للديمقراطية والحريات محتوى ومعنى جديد ومختلف.

وأخيرا فإن الواقع المتعين يعبر عن فكرة داخلية تشكله أو تمنحه هويته كما يقول هيغل، وبذلك فإن  الواقع الديني الجديد المتشكل يعكس فكرة دينية جديدة.

ولشديد الأسف، فإن "بومة منيرفا" (الحكمة) تحلق في الغسق؛ أي بعد انقضاء الأحداث... ما من حكمة تسبق الأحداث، وما من حكمة تستوعب أحداثا لم تحط بها.