نيسان 19, 2015

الأوراق النقاشية للملك: من من الرؤية إلى البرامج

إبراهيم غرايبة

قدم جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين خمس أوارق نقاشية طرحت في الصحف ووسائل الإعلام حول مجموعة من القضايا والمحاور الأساسية لبناء الديمقراطية الأردنية، وهي أفكار ومحاور تصلح للتوسع فيها لأجل هدفين أساسيين، التوسع في الأفكار ودراستها ومناقشتها، وتحويلها إلى مجموعة من البرامج والاستراتيجيات الواضحة للتطبيق والمراجعة والتقويم، وتقدير دور مكونات الدولة والمجتمع في تطبيقها وتطويرها.

يمكن تقسم الرؤية الملكية إلى محاور عدة حسب المسائل والقضايا التي ركزت عليها الاوراق النقاشية، وفي ذلك تسعى هذه الورقة في دراسة وتحليل هذه الرؤى وفق المحاور والأهداف المقترحة لأجل المساعدة في تحويل هذه الرؤى إلى برامج وأفكار يمكن على ضوئها مراجعة السياسات الحكومية وتقديم اقتراحات وتصورات إضافية جديدة.

محاور الرؤية الملكية:

أ‌-       الممارسات الديمقراطية:

1-       احترام الرأي الآخر أساس الشراكة بين الجميع

2-       المواطنة لا تكتمل إلا بممارسة واجب المساءلة

3-       قد نختلف لكننا لا نفترق فالحوار والتوافق واجب وطني مستمر

4-       جميعنا شركاء في التضحيات والمكاسب

ب‌-  كيف نتأكد أننا على الطريق الصحيح؟ المعايير العملية لقياس الانجاز والقصور في مسيرتنا السياسية والاقتصادية وأداء المؤسسات العامة والمجتمعية.

ت‌-   تطوير نظامنا الديمقراطي لخدمة جميع الأردنيين

1-      الأنظمة الديمقراطية والنموذج الأردني

2-        الانتقال إلى الحكومات البرلمانية

ث‌-   متطلبات التحول الديمقراطي الناجح

1-      أحزاب وطنية فاعلة

2-       تطوير الجهاز الحكومي وحياديته

3-      تغيير الأعراف البرلمانية من خلال تطوير النظام الداخلي لمجلس النواب بما يعزز نهج الحكومات البرلمانية

ج‌-    نظرة مستقبلية: الأدوار والمسؤوليات

1-      أدوار تنتظرنا لنجاح ديمقراطيتنا المتجددة

2-      متطلبات الممارسة السياسية في الحكومة البرلمانية، منظومة متطورة من الضوابط العملية لمبادئ الفصل والتوازن بين السلطات وآليات الرقابة، ومشاركة النواب في الحكومة، ونضج العمل السياسي النيابي الحزبي، وتطوير أحزاب وطنية وبرامجية فاعلة وذات امتدادات شعبية.

3-      تطوير الجهاز الحكومي ليصبح أكثر مهنية وحيادا وبعيدا عن تسييس الأداء، ليكون مرجعاً موثوقاً للمعرفة والمساندة الفنية والمهنية لدعم وزراء الحكومات البرلمانية في صنع القرار.

ح‌-     دور المؤسسات السياسية في تطوير الحياة السياسية والوصول الى الحكومة البرلمانية، الملكية، السلطة التنفيذية، السلطة التشريعية (مجلس الأمة) السلطة القضائية، الأحزاب السياسية، المواطن،..

خ‌-     المشاركة السياسية و"المواطنة الفاعلة": لنمضي في تمكين ديمقراطي يوفر أدوات "لمواطنة فاعلة

د‌-       خريطة المسار في التطور السياسي والعام، الانجازات المتحققة والتطلعات: الإنجاز التشريعي، التشريعات المنظمة للحياة السياسية، والإنجاز المؤسسي، مثل المحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للانتخاب، وتأسيس مركز للدراسات والبحوث التشريعية يدعم عمل النواب واللجان النيابية المتخصصة، وتدعيم السلطة القضائية وتعزيز منظومة وطنية قوية للنزاهة والشفافية والمساءلة، ودعم المركز الوطني لحقوق الإنسان وشبكة من المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان، ومتابعة العمل في مسارات برنامج تطوير القطاع العام،

ذ‌-     القيم الضرورية لعملية تحول ديمقراطي ناجحة نحو الحكومات البرلمانية

مسؤوليات الملكية الهاشمية

مجلس الأمة

الحكومة

 الأحزاب السياسية

المواطنون

نظرة مستقبلة:

مجلس الأمة:تطوير القوانين السياسية

الحكومة: تطوير اداء القطاع العام

القضاء: بناء قدرات السلطة القضائية

المجتمع المدني والجامعات ومراكز الدراسات والقطاع الخاص

إن رؤية الملك لأجل بناء الديمقراطية المتجددة تفتح تالمجال للتساؤل وإعادة السؤال ومواصلة النقد الذاتي على قسوته وملله لنرى العيوب في "بنائنا الديمقراطي" فبغير معرفتها لن نصلح البناء، .. واليوم ونحن ننظر في مجريات الأحداث حولنا وفي  بلادنا أيضا فإننا في حاجة إلى الاعتراف بأننا عجزنا عن تطوير حياة سياسية قائمة على التعددية السياسية والتداول السلمي السلطة، برغم السنوات الطويلة التي مضت على استئناف الأحزاب السياسية، وتكرار الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية، .. وهي مسألة يجب أن تلح علينا –حكومات وأحزابا وأفرادا ومجتمعات ومعارضات- لماذا لم تتشكل لدينا أحزاب سياسية مؤثرة تملك قواعد اجتماعية كافية لإحراز أغلبية برلمانية (لحزب او ائتلاف حزبي) تواجهها معارضة سياسية مستندة إلى قواعد برلمانية ومجتمعية تراقبها وتظل مرشحة لتشكيل حكومة بديلة؟

الإجابة ببساطة ليست جاهزة ولا يملكها أحد، ولو كانت متاحة لحلّت المشكلة، ولكنها لحسن الحظ وسوئه معا محصلة مراجعات طويلة ومعقدة لـ"لبناء الديمقراطي" وملاحظة العيوب والإنجازات والقوة والضعف والجمال والقبح، .. إنها ليست عملية جذرية تزيل البناء من أساسه وتقيم بناء جديدا، وليست نظاما سياسيا واجتماعيا جاهزا يهبط من السماء أو من وراء البحار أو من اختراع عظيم، .. ولكنه شبكة معقدة من العيوب والإصلاحات والنجاحات والإخفاقات الصغيرة والكبيرة، .. ولن نقف عليها إلا في معايشة واختبارات وملاحظات متراكمة، ولن يساعدنا في ذلك أحد سوى أنفسنا!

فالانتخابات تعكس عمليات سياسية واجتماعية معقدة؛ بما فيها من تعاون وصراع وتنافس وتقدم وفشل وتطلعات وأهواء ودوافع وقيم نبيلة ومصالح ومنافع محمودة ومذمومة وتناقضات ظاهرة وحقيقية، وتشارك فيها أطراف كثيرة؛ مرئية واضحة أو خفية، .. قواعد شعبية ومجتمعات وتشكلات وقيادات سياسية واجتماعية، وتقاليد وتشريعات وقوانين وتوازنات، .. ولكنها ببساطة ووضوح يؤشر عليها بصعود وخروج الطبقات القيادية المعبرة عن التنافس والحراك والمطالب، هي ببساطة مثل مباراة ذات قواعد وتقاليد واضحة تتضمن مجيء قيادات جديدة وخروج أخرى، وهذا يعني وجود قيادات بالفعل، ويعني أيضا وجود نخبة مفتوحة من الاتجاهين، الدخول إليها والخروج منها، فهي تقاس وينظر إليها بمحصلتها وقدرتها على تحريك النخب والقيادات، .. وقدرتها علىا أن تدفع إلى القيادة والتأثير أفضل الناس وأقدرهم على تحقيق أهدافهم وحماية مواردهم ومصالحهم وتجديدها وإدامتها وتنميتها، .. كيف تعمل الديمقراطية بنجاح؟ كيف نتأكد أننا نعمل في الاتجاه الصحيح؟

الانتخابات والسؤال عن المحركات العادلة والطبيعية لصعود القيادات وخروجها

تعبر الانتخابات النيابية والعامة عن عمليات سياسية واجتماعية تقوم عليها قواعد شعبية ومجتمعات وتشكلات وقيادات سياسية واجتماعية، ويؤشر عليها بصعود وخروج الطبقات القيادية المعبرة عن التنافس والحراك والمطالب، والسؤال هنا بطبيعة الحال عندما ننظر في الانتخابات النيابية بلدنا (وعندما نقيم أيضا الانتخابات البلدية والنقابية)  ما القيادات السياسية والاجتماعية التي تتشكل وكيف تشكلت؟ أو هل ثمة قيادات ونخب تتشكل؟ لقد جرى على نحو واعي أحيانا وغير واع أحيانا أخرى وبحسن نية أحيانا تعطيل للديناميكيات والقواعد التي تنشئ قيادات سياسية واجتماعية ومهنية، ولم تعد الدولة والمجتمعات قادرة على تقديم قيادات متجددة، ولا تملك نخبا دوارة، وأغلقت النخبة على مجموعة من الأقارب والشركاء والأتباع، أو الأغنياء الذين عززوا فرصهم في التعليم والتنافس والتأثير بما يملكون من مال؛ وبطبيعة الحال فإن النخب تكون معرضة في هذه الحالة لما يصيب أي مجتمع مغلق،.. الانغلاق والعزلة والإعاقات والعاهات الدائمة والفشل والفساد،.. ثم الانقراض.

يمكن بالنظر إلى التاريخ السياسي المنظور والمشهود في بلدنا ملاحظة سلسلة طويلة من السياسات والاتجاهات التي عطلت حراك النخب والمجتمعات، ولم تأخذ في حسبانها التشكلات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية الناشئة عن هذه السياسات ولا تداعياتها وتأثيراتها العميقة الممتدة، ولا يمكن تطوير الحياة السياسية لتكون بالفعل تنافسا سياسيا واجتماعيا من دون مراجعتها والتوقف طويلا عند آثارها وتداعياتها، .. ومن هذه السياسات: الحاق المجتمع بالدولة، وأمانة عمان كبرى، ودمج البلديات، والفصل بين النيابة والوزارة، وغياب الدور الاجتماعي القيادي للمسؤولين الرسميين والموظفين العامين، وسياسات التوظيف في القطاع العام والقطاع الخاص، والعزلة الاجتماعية للأسواق؛ او غياب الاقتصاد الاجتماعي والمسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص.

إلحاق المجتمع بالدولة

تضمنت عمليات التحديث والتنمية تهميشا للمجتمعات، ولم تأخذ الدولة بحسبانها مسؤولية المجتمعات ومشاركتها في وتخطيط وبناء وتصميم المدن والبلدات والطرق والأحياء والأرصفة والحدائق والمشاريع والمؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية، والمرافق والخدمات الأساسية، مثل المياه والطاقة والاتصالات، واستولت على المؤسسات الثقافية والدينية، ثم وفي مرحلة الخصخصة التي تخلت فيها الدولة عن تقديم الخدمات والسلع، ولأن عمليات الخصخصة نفسها لم تكن عادلة أو يؤخذ في إدارتها عامل الاقتصاد الاجتماعي والمسؤولية الاجتماعية فقد حرمت المجتمعات من المشاركة في امتلاك المشروعات والمؤسسات المخصخصة؛ تحولت المجتمعات إلى كيانات ضعيفة ومكشوفة.

لم تعد المجتمعات قادرة على المشاركة والتأثير، ولا تملك مصالح وآفاقا لحياتها تسيطر عليها وتسعى لتحسينها وتطويرها، ومن ثم فهي لا تملك من أمرها شيئا، وليس لديها فرصة سوى الضغط والمطالبة، المطالبة بكل شيء، دون تمييز بين ما يجب أن تقدمه لنفسها وما يجب ان تقدمه الدولة، بين ما هو مسؤولية الدولة وما هو مسؤولية المجتمع، وما يجب/ يفضل أن يكون استثمارا وسلعة متداولة في السوق؛ ودون إدراك واضح لعلاقاتها الجديدة مع الشركات التي توفر الخدمات الأساسية أو تحتكرها، والتي امتدت لتصل حتى إلى التعليم والصحة.

ما معنى الانتخابات النيابية والعامة للناس والمجتممعات في ظل هذه الحالة؟

يفترض أن المجتمعات تملك وتدير مجموعة من المرافق والخدمات، وتشارك القطاع العام في مجموعة أخرى، ولديها فرص وتحديات مع الشركات  والقطاع الخاص، وهي في ذلك تسلك في الانتخابات وتختار القيادات والنخب على النحو الذي يوسع مشاركتها ويزيد مواردها وينظم العلاقة مع الشركات.

ولذلك فإن انتخابات صحيحة وعادلة تنطلق من وجود مجتمعات ذات كيانات حقيقية، تملك موارد ومؤسسات تدير وتنظم الطاقة والمياه والتعليم والسلع والرياضة والثقافة وتولد فرصا للعمل لا تقل عنها في القطاع العام والقطاع الخاص، ويكون في ظل هذا الحال قيادات ومصالح سياسية واقتصادية واجتماعية تتنافس وتتعاون، ويكون عندها معنى وجدوى للانتخابات بالنسبة للناس، لأنهم سيدركون أثرها المباشر على حياتهم ومصالحهم، ولأنهم على اشتباك يومي ومتواصل مع قضاياهم وتحدياتهم، ويملكون حلولا متنافسة أو متجادلة للاستجابة لهذه التحديات تعكسها بالطبع الانتخابات والتنافس الجاري فيها.

الخطوة التقدمية الممكن الحصول عليها في هذه الانتخابات هي الوعي بما نحتاج إليه، وبأولوياتنا وكيف تعكس الانتخابات هذا الوعي!

الحكم المحلي وتطوير الانتخابات النيابية

تتشكل المجتمعات في المدن والبلدات حول الموارد والمصالح والتاريخ، وتنشئ في ذلك منظومتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، ولذلك فإن مبتدأ الإصلاح في المدن، ومبتدأ السؤال عن الخلل والعيوب في الانتخابات النيابية والديمقراطية يكون في ملاحظة العيوب في عمل وتشكيل البلديات وأنظمة الحكم المحلي.

لقد ألغى مشروع عمان الكبرى مدنا وكيانات ومجتمعات كانت قائمة تشكلت حولها موارد وقيادات ومصالح وألحقت في مشروعات مركزية لا علاقة لها بها ولا مصلحة واضحة لها في قيامها، ما علاقة مدينة صويلح بالأبراج المقامة، وما مصالح أهل أبو نصير في الجسور العملاقة المقامة على شارع المطار؟ وما مكاسب العمانيين من مدينة العبدلي؟ وبالطبع فإن التساؤل هنا لا يعني بالضرورة الاعتراض على هذه المشاريع أو الخطأ والقصور فيها، فهي ت مشروعات رائدة ولكن يجب الانتباه لتداعياتها وتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية فالفكرة الأساسية هي عن العلاقة بين المواطنين ومدينتهم، وبين الانتخابات ومصالحهم.

 لقد تحول معظم الأردنيين (أهل عمان وسكانها) إلى تجمعات غير مرئية في المدينة، لا يبدو لها حضور في مخططاتها وتصميمها ومرافقها وميزانياتها وإنفاقها، ولا يلاحظون علاقة بين مشروعاتها وبين مصالحهم وتطلعاتهم، وليس لهم رأي ولا حول ولا طول.

يبدأ تفعيل الديمقراطية وتجذيرها بالمحافظة على طبيعة المدن والمناطق المشكلة لعمان الكبرى، والإبقاء على مجالسها المنتخبة ومواردها المستقلة، ثم تشكل هذه المجالس معا مجلس عمان الكبرى، وتدير مجتمعة الشؤون المركزية والمشتركة للمدينة، باعتبارها مدينة يقيم فيها سكان يحتاجون أولا وقبل كل شيء إلى أسواق ومدارس ومراكز صحية واجتماعية وشوارع وأرصفة وحدائق ومكتبات، .. مدن مصممة ومخططة لأجل الناس!

فإذا كان المواطنون غير قادرين على التأثير والمشاركة في أولوياتهم واحتياجاتهم الأساسية كيف يطلب منهم أن يشاركوا في انتخابات سياسية وتشريعية تفضى إلى حكومات برلمانية؟

وفي ظلّ هذه التشكلات تنشأ أسواق ومصالح وأندية ومؤسسات وتعاونيات وجمعيات وشركات يملكها الناس لإدارة وتوفير احتياجاتهم وسلعهم، .. وتظهر أيضا قيادات اجتماعية وسياسية وتيارات واتجاهات متنافسة تسعى للحصول على تأييد الناخبين.

وكانت المشكلة الثانية في البناء الديمقراطي هي "دمج البلديات"، فهذا التوجه برغم أنه طور البلديات مؤسسيا لكنه أنشأ تدخلا قسريا في علاقات البلدات الاجتماعية الداخلية وفي علاقات البلدات ببعضها، وأضر ببقايا النسيج الاجتماعي والعلاقات والمصالح والتفاهمات التي كانت قائمة في البلدات.

لننظر في المدن والبلدات القائمة التي تتشكل على نحو متراكم ومتواصل منذ مئات السنين، والتي تحمل تاريخا في المكان نفسه منذ آلاف السنين، .. لنتذكر أسماء البلدات والمدن الواردة في التوراة  والشعر الجاهلي والأحاديث النبوية والتاريخ الموغل في القدم والتراث القائم والعميق، ثم تشكلاتها الحديثة القائمة على البلديات والانتخابات منذ القرن التاسع عشر (إربد 1881، السلط 1882، الزرقاء 1904، مادبا 1904، عمان 1909، ...) ثم وبعد أكثر من مائة سنة من الانتخابات البلدية وآلاف السنين من النمو والتشكل التاريخي والاجتماعي المتراكم تصادم الحكومة في تحديثها هذه التشكلات الراسخة، .. ألا تبدو العملية مثل محاولة تحويل مجرى  نهر الأردن لينبع من البحر الميت ويصب في جبل الشيخ؟!

الانتخابات النيابية باعتبارها محصلة سياسات عامة طويلة ومتراكمة

إلى أي مدى أثرت سياسات الدولة العامة في صياغة البرلمانات والتأثير على الانتخابات النيابية؟

يأتي التوجه إلى الحكومات البرلمانية بعد أكثر من خمسة عشر عاما من سياسات الفصل بين النيابة والوزارة، والتي أدت إلى إضعاف الدور السياسي للنواب ومجلس النواب، وجعلت المناصب الوزارية متداولة في فئة غير منتخبة، ومن ثم فقد نشأت قيادات سياسية لا تملك بالضرورة قواعد اجتماعية او سياسية، أو غير قادرة على التأثير في المجتمعات وفي بيئتها الاجتماعية، ودخل الحراك الاجتماعي والنخبوي الناشئ عن الانتخابات النيابية في نفق مغلق لأنها (الانتخابات النيابية) لم تعد طريقا للصعود السياسي والتأثير الاجتماعي، والأصل أن النائب قائد سياسي واجتماعي يجب أن يشق طريقه نحو السلطة التنفيذية أو التأثير فيها، فهذا هو السبيل المتبع في دول العالم الديمقراطية لتطبيق البرامج واختيار القيادات السياسية.

ربما يكون صحيحا القول إن الجمع بين النيابة والوزارة أدى إلى مفاسد كثيرة، وأضر بالدور التشريعي والرقابي لمجلس النواب، .. ولكن العملية السياسية تؤخذ سلسلة متصلة من التنافس والتداول والتأثير والضمانات، ولا يمكن فصلها عن بعضها، فما نملكه إزاء مساوئها وسلبياتها هو ابتداع ضمانات وسياسات تجعلها إلى أقرب إلى الصواب والعدالة، ولكن يكاد يكون مستحيلا على الأقل في مدى الخبرة والتجربة الإنسانية القائمة أن ننتج عملية سياسية ديمقراطية تتضمن تغييرات في البنية والمتواليات التقليدية، بل يجب أن تؤخذ جملة واحدة مع الإدراك والوعي المسبق بحسناتها وسيئاتها والعمل على تطويرها وتحسينها ضمن نسيجها المتكامل! ففي متناقضاتها وجدلها المعقد تأتي محصلة من العدالة النسبية!

كانت الدولة ومازالت هي الراعي الأكبر للمصالح والأعمال والخدمات والأسواق والمؤسسات، وفي ظلها نشأت القيادات السياسية والاجتماعية، .. وقدمت للمعارضة السياسية عددا كبيرا من قادتها ونشطائها، وتشكل الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي في سياق الدور الذي كان يؤديه قادة الدولة وموظفوها، الحكام الإداريون مدراء المدارس ومعلموها، وموظفو الدولة بعامة، ولكن الدولة لم تعد تملك رؤية ورسالة اجتماعية واضحة تطلب من موظفيها أداءها وخدمتها، ولم تعد تمثل مشروعا سياسيا واجتماعيا تسعى لتحقيقه، .. وكانت الدولة قائمة على أساس التحديث والتنمية ونشر التعليم والوعي الاجتماعي والثقافي والصحي ومواجهة الجهل والخرافة، ..وكان للنجاح النسبي الذي تحقق دور في غياب البوصلة والأهداف والرؤى الجديدة المفترض بناؤها وتطويها على ما أنجز، لم تعد الدولة تعرف ما الذي تريده من المجتمعات، ولم تعد معنية ببناء طبقة اجتماعية تحمل برنامجا ثقافيا وسياسيا،.. ويمكن ببساطة اليوم ملاحظة أن جمهور "المؤيدين" للحكومة ومواقفها وقادتهم لا يمثلون الطبقة الوسطى والمهنيين بوضوح، ويكاد المؤيدون يقتصرون على المتطلعين إلى منافع قريبة ومباشرة وعاجلة. وأنشأت الخصخصة على نحو غير مقصود ثقافة جديدة وسلوكا ابتعد عن الانتماء إلى العمل والمصالح العامة، وأصبح الأداء العام في أسوأ وأضعف حالاته، .. لم يعد الموظف قدوة حسنة للمجتمع، ولا ينظر الناس إليه باعتباره قائدا مؤثرا، وذلك يعني ببساطة أن العمل العام لم يعد يغذي القيادات والنخب السياسية بروافد وقيم جديدة، وأصبحت العلاقات التي تحكم الانتخابات وتنظمها تقوم على منافع فاسدة أو روابط قرابية ودينية لا تصلح لتشكيل حياة سياسية وحكومات برلمانية!

طبقة وسطى حائرة تبحث عن نخب جديدة

في النظر إلى الإصلاح بأنه وعي الطبقة الوسطى لما تحب أن تكون عليه، وارتباط تحقيق وعيها بضرورة الارتقاء بأداء الحكومة والسوق والمجتمعات وتنظيم علاقاتها معاً، فإن الطبقة الوسطى (يفترض) أن تقود عمليات الشراكة هذه بين السلطة والمجتمع والشركات وتنظم العلاقات بينها، وتنشئ القيم الأساسية المشكلة للمدن والمهن والقوانين والتشريعات، بمعنى أن يتحول الإصلاح والتقدم إلى مصلحة أساسية لطبقة واسعة في المجتمع ممتدة فيه وتتشابك مصالحها وأعمالها مع كل الطبقات والمؤسسات، وهكذا ببساطة لا يمكن النظر بجدية إلى إصلاح ممكن أو متوقع لا تنخرط فيه الطبقة الوسطى.، وارتباط تحقيق وعيها بضرورة الارتقاء بأداء الحكومة والسوق والمجتمعات وتنظيم علاقاتها معاً، فإن الطبقة الوسطى (يفترض) أن تقود عمليات الشراكة هذه بين السلطة والمجتمع والشركات وتنظم العلاقات بينها، وتنشئ القيم الأساسية المشكلة للمدن والمهن والقوانين والتشريعات، بمعنى أن يتحول الإصلاح والتقدم إلى مصلحة أساسية لطبقة واسعة في المجتمع ممتدة فيه وتتشابك مصالحها وأعمالها مع كل الطبقات والمؤسسات، وهكذا ببساطة لا يمكن النظر بجدية إلى إصلاح ممكن أو متوقع لا تنخرط فيه الطبقة الوسطى.

هذا هو الشرط الغائب اليوم في العملية السياسية والثقافية في الأردن. لماذا تغيب الطبقة الوسطى عن العملية الإصلاحية؟ لماذا تبدو مستبعدة أو غير معنية بالأحداث والتفاعلات السياسية الجارية؟

الأردن في حاجة إلى نهضة إصلاحية تبدل الطبقات والنخب الراسخة (سواء في الحكم أو المعارضة) والعلاقة مع الموارد التي تشكلت منذ مئة عام على نحو يحتاج إلى تغيير كبير، وتعيد تشكيل المجتمعات والمدن والطبقات والمهن والنقابات والأحزاب والجماعات...وربما يفسر ذلك لماذا لم تنشئ الانتخابات النيابية والعامة التي تجري منذ قيام الدولة الحديثة والأحزاب والجمعيات والأفكار السياسية والإيديولوجية الراسخة منذ عقود طويلة ديموقراطية حقيقية وحياة سياسية وثقافية متقدمة!

ذلك أن النخب السياسية القائمة تسلك في استراتيجية تقوم على إدارة انتخابات وديموقراطية صحيحة من الناحية القانونية ولكنها ديموقراطية تستبعد فرص الطبقة الوسطى في التأثير.

الإصلاح يبدأ بمراجعة الرواية المنشئة للأزمة، وهي متصلة بالاعتساف والافتعال في تنظيم وإعادة توزيع التأثير والموارد، وفي صياغة المجتمعات والمؤسسات الوطنية والمدن والأسواق على نحو يؤدي حتماً إلى الأزمة، وأخيراً بسبب الخلل الكبير في إدارة وتوزيع العبء الضريبي وقدرة المجتمعات والطبقات الوسطى على إسماع صوتها والمشاركة في التخطيط والقرار... كيف تكون المجتمعات شريكاً في الموارد والتنمية والمسؤولية؟ كيف توضع السوق في مكانها الصحيح المنشئ للتقدم؟ كيف تتشكل القيادات الاجتماعية والاقتصادية على نحو تفاعلي وتنافسي طبيعي وعادل؟

والجزء الأصعب من الإصلاح (المفترض أن تحققه الانتخابات) هو نشوء طبقة جديدة من القادة والنخب مرتبطة بالإصلاح وليس بالفساد، وأصعب من ذلك كله أن الإصلاح الاجتماعي في جوهره هو طبقة تحل محل طبقة أخرى، إنه تبادل قاسٍ ومؤلم للتأثير والنفوذ. يجب أن نعترف أن الإصلاح لن يكون إلا محصلة لصراع اجتماعي وسياسي سلمي معقد وطويل.

تبدو الطبقة الوسطى اليوم بأحلامها المفترضة مزعجة، كأنها يجب ألا تكون موجودة، هي عدوّ للنخب المتصارعة؛ لأنها موجودة، مأزق الطبقة الوسطى أنها موجودة، ولا يستطيع أصحاب الطريق الثالث المتلهفين للخروج من هيمنة نخبوية تحسب نفسها علمانية ويخشون من الوقوع تحت هيمنة دينية واجتماعية حديدة  أن يكونوا غير موجودين!

وبالطبع، فإن الطبقة الوسطى تتحمل مسؤولية كبرى في تنظيم نفسها حول أولوياتها وفي إنشاء منظومة سياسية واجتماعية تجعل الجدل حول التقدم والتنمية، وإعادة العقد الاجتماعي المنظم للعلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع على أسس جديدة لا مكان فيه للأيديولوجيا، ولكن على اساس حرية الناس وولايتهم على الموارد وتنظيمها، على أساس عادل وصحيح، وأن تفهم الأزمة كما هي بوضوح، أزمة الطبقة المهيمنة منذ قيام الدولة الحديثة أن الإصلاح يعني حتما التنازل عن نسبة كبيرة من مكتسباتها، صحيح أنها مكتسبات تحولت إلى منظومة اقتصادية واجتماعية مكرّسة، وأنها ستدفع إلى الخسارة فئات نشأت في هذه المنظومة وكأن ذلك هو الأصل والصواب، ولكنه ثمن حتمي ومؤلم للإصلاح.

والمشكلة الأخرى للنخب أنها غير قادرة على تصور حجم الوعي الجديد؛ ولا هي قادرة أيضاً على ادراك مدى قوة السأم والطاقة الهائلة والخطيرة الصادرة عنه، سأم المجتمعات والطبقات وأصحاب المهن والأعمال والجامعيين والمتعولمين، والمتطلعين الى الحرية والكرامة. إنه سأم جارف، ويخشى أن يتحول في ظل عدم مبادرة هذه الطبقات التي لا تجد نفسها لدى أي من الطرفين إلى تنظيم نفسها خارج الصراع ومحاولة التفاهم مع جميع الفئات ليكون لها مكان من دون إزاحة الآخرين أو القضاء عليهم؛ إلى فوضى جارفة تأخذ كل شيء في طريقها إلى المغامرة والمجهول.


 

غياب الاقتصاد الاجتماعي والشركات

ربما يكون الحال في الأردن معكوسا، إذ أن حضور السوق والشركات والقطاع الخاص في الانتخابات النيابية محدود ومشوه! لا أعني الأغنياء الذين يرشحون أنفسهم أو يمولون حملات انتخابية، ولكن لو بحثنا في حضور واهتمام الشركات والقطاعات الاقتصادية الرئيسية في الانتخابات، البنوك، والتأمين والفوسفات والاتصالات والفنادق، والجامعات والمستشفيات الخاصة، والمقاولات والمصانع والخدمات سوف نجد غياب كبيرا ظاهري على الأقل، وكأنه لا مصلحة للشركات والسوق في التشريعات والسياسات الحكومية المستمدة من البرلمان! وكأن الشركات الكبرى قادرة على حماية مصالحها وأوضاعها من غير برلمان! وكأنها لا تخاف من استهداف نيابي! هناك أيضا غياب كبير للمهن والأعمال المفترض أنها تشكل العمود الفقري للسوق والحياة الاقتصادية، ..وهناك غياب للقضايا المتعلقة بدور مجلس الأمة والقوانين والقضايا المنظمة للعلاقة بين المجتمع والسوق، مثل التشريعات والسياسات الضريبية، والمسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص، وعدالة التوزيع، والموازنة العامة والانفاق العام..

هذا الغياب للقطاع الخاص والشركات والقطاعات الاقتصادية عن النواب مفزع وليس لصالح الحياة السياسية والتشريعية ويساوي في خطورته طغيانها على البرلمان والتشريع، والواقع أن أثرها على السياسة والتشريع واضح وقوي بدون ممثلين في البرلمان بدليل قانون الضريبة المؤقت الذي منحها إعفاءات وتسهيلات واسعة وضريبة المبيعات التي شددت الخناق على الطبقة الوسطى، وبدليل عدم تفعيل قانون الضمان الاجتماعي، مثل التأمين الصحي والتأمين ضد البطالة،... والمزايا التقاعدية الخرافية التي منحت لعدد من الناس، وتحميل الضمان الاجتماعي أعباء لصالح الشركات الكبرى..

يدل هذا الغياب على حالتين مفزعتين، أولهما أن مداخل التأثير في التشريعات الاقتصادية وتنظيم العلاقة بين المجتمع والسوق وبين الدولة والسوق لا تمر بمجلس الأمة (إذن كيف تجري الأمور؟) والحالة الثانية الأشد فزعا وخطورة هي غياب العلاقة والتفاعل بين السوق والمجتمع، وهو أمر يمكن ملاحظته من خلال مؤشرات كثيرة بالإضافة إلى الانتخابات النيابية، فالمفترض أن المجتمعات تشكل حياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حول الأعمال والموارد، بمعنى أن المدن والبيوت وأماكن الإقامة وأنظمة المواصلات والطرق، ثم المدارس والمراكز الصحية والاجتماعية، ثم المنتجات الثقافية المباشرة من أغنية وموسيقى وقصة ورواية وسينما ودراما وفنون تشكيلية يجب أن تكون مستمد من هذه المنظومة الاقتصادية، فكما نلاحظ في التراث على سبيل المثال ارتباط وثيق ومباشر بين الأغاني والقصص والمرويات والعادات والتقاليد والأساطير والرموز والطقوس وبين الزراعة يجب أن نلاحظ العلاقة نفسها اليوم في الفنون والثقافة والسلوك وأسلوب الحياة مع الفوسفات والطاقة والاسمنت والبوتاس والاتصالات والجامعات والمهن والأعمال القائمة، ..

 

can i take antabuse and naltrexone can i take antabuse and naltrexone can i take antabuse and naltrexone