آب 07, 2014


د. موسى شتيوي*

العدوان الإسرائيلي على غزة، كان نتيجة مباشرة لفشل محادثات وزير الخارجية الأميركي جون كيري في التوصل إلى اتفاق سلام بين فلسطين وإسرائيل على أساس حل الدولتين، والذي يفضي إلى إقامة دولة فلسطين في الضفة الغربية وغزة.

حل الدولتين هو الحل الوحيد المقبول فلسطينياً وعالمياً، والذي أصبح يمثل جزءاً من السياسة الأميركية أيضاً. وبالرغم من تبني الولايات المتحدة لهذا الحل، إلا أنها تركت تفاصيل الدولة الفلسطينية للتفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والذي شكل مفصلاً لعملية التفاوض، لأن إسرائيل ترفض الانصياع للقانون الدولي والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني. واستطاعت أن تضع العقبة تلو الأخرى في مطالبها التعجيزية فيما يتعلق بأهم ثلاث قضايا لإقامة الدولة الفلسطينية، وهي: القدس، والحدود، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين. وبالرغم من تبني الولايات المتحدة لمبدأ حل الدولتين، باعتبارها راعية للمفاوضات، إلا أنها كانت دائماً تنحني أو تنصاع للمواقف الإسرائيلية لا بل لمطالب اليمين الإسرائيلي، ولم تستطع أن تقنع إسرائيل بتغيير مواقفها أو حتى وقف الاستيطان أثناء المفاوضات.

بعد فشل محادثات السلام الأخيرة برعاية كيري، حمّل وزير الخارجية الأميركية فشل المفاوضات لإسرائيل وعدم التزامها بالإجراءات التي تم الاتفاق عليها ليتم تنفيذها خلال مرحلة التفاوض. والعدوان الإسرائيلي على غزة جاء ضمن مخطط إسرائيلي لإضعاف وتفتيت القضية الفلسطينية، وتعزيز الانقسام والتجزئة، لتصبح قضية غزة منفصلة عن الضفة الغربية، والتمهيد لفرض الأمر الواقع على الفلسطينيين، والتهرب من استحقاق الدولة الفلسطينية.

الصمود الفلسطيني في غزة والكلفة الإنسانية العالية جداً للعدوان، كشفا ضعف وإفلاس إسرائيل السياسي والعسكري والأخلاقي، ولكنه بالمقابل عزّز التوحد الفلسطيني، وأيقظ الضمير الشعبي العالمي والعربي، وأعاد الصداره للقضية الفلسطينية بعد أن غطى عليها "الربيع العربي" ومخلفاته.

من التجربة السابقة في المفاوضات، منذ أكثر من عشرين عاماً، تأكد أولاً أن إسرائيل لم تقبل خيار إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، تلبي طموحات الشعب الفلسطيني، ولا حتى أي صيغة لأي دولة. وثانياً، أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة وحدها على إقناع إسرائيل أو أن تفرض عليها إقامة دولة فلسطينية حسب القرارات الدولية والحقوق الفلسطينية. وثالثاً، أن من غير الممكن لأي قيادة فلسطينية أن توقع اتفاق سلام مع إسرائيل لا يضمن الحد الأدنى لحقوق الشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.

إن استمرار الوضع الحالي لم يعد مقبولاً، وسوف يبقى بؤرة توتر مستمر مع تكرار واستمرار العنف ليس في فلسطين فقط، وإنما في المنطقة بشكل عام أيضاً.

في ظل التعنت الإسرائيلي، وفشل الولايات المتحدة في أن تكون طرفاً محايداً أو ضاغطاً على إسرائيل لحملها على الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته، بات من الضروري التفكير بمقاومة جديدة لحل القضية الفلسطينية.

الخيار الوحيد المتبقي لحل القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع العربي الفلسطيني-الإسرائيلي هو حل أممي أو دولي يُفرض على الجميع من قِبل مجلس الأمن. وقد يبدو هذا الخيار غير مقبول الآن لدى كافة الأطراف، ولكن الفشل في التوصل الى اتفاق سلام بالرغم من مرور أكثر من عشرين عاماً على بدء العملية السلمية، واستمرار إسرائيل في الاعتداء على الأرض والإنسان في الضفة الغربية وغزة، يجب أن يجعلا التفكير بهذا الخيار أمراً جدياً.

في الواقع، فإن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس طرح هذا الحل قبل أيام عدة، في تعليقه على المجازر التي ارتكبت بحق الفلسطينيين العزل في غزة، إذ قال إن اعتبارات الأمن الإسرائيلية لا تبرر قتل الأطفال والمدنيين. وأضاف أن وقف إطلاق النار يجب أن يتبعه حل الدولتين، وأنه يجب فرضه من قبل المجتمع الدولي، لأنه بالرغم من كل المحاولات، فإن طرفي النزاع غير قادرين على التوصل لحل بأنفسهم.

تكمن أهمية الحل الأممي في أنه سيكون مبنياً على القانون والقرارات الدولية الخاصة بالمشكلة الفلسطينية، والتي لم تعد المرجعية للمفاوضات، وهي المرجعية الوحيدة الكفيلة في إرساء حل سياسي عادل للقضية. هذا الحل يتطلب قناعة أميركية وأوروبية، ويبدو أن هناك من يُفكر بخيار كهذا كوزير الخارجية الفرنسي. ولكن حتى يصبح خياراً فعلياً، على الفلسطينيين وجامعة الدول العربية تبني هذا الخيار، ودعمه والترويج له على المستوى الدولي. بعكس هذا التوجه، ستستمر إسرائيل في قضم الأرض في فلسطين.


* مدير مركز الدراسات الاستراتيجية

pharmacy cards prescription drugs discount card discounts on prescriptions